فصل: الفصل الخامس في نفقات المماليك:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المحيط البرهاني في الفقه النعماني



.كتاب النفقات:

هذا الكتاب يشتمل على فصول:
1- في نفقة الزوجات.
2- في نفقة المطلقات.
3- في نفقة ذوي الأرحام.
4- في نفقات أهل الكفر.
5- من نفقات المماليك.

.الفصل الأول في نفقة الزوجات:

الأصل في نفقة الزوجات قوله تعالى: {اسكنوهن من حيت سكنتم من وجدكم} [الطلاق: 6] وفي قراءة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: {اسكنوهن من حيث سكنتم وانفقوا عليهن من وجدكم} وقراءته لابد وأن يكون مسموعًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم فذل ذلك على وجوب النفقة، وقال عليه السلام: «أوصيكم بالنساء خيرًا» إلى أن قال: «وإن لهن عليكم نفقتهن وكسوتهن بالمعروف» وقال عليه السلام لهند امرأة أبي سفيان: «خذي من مال أبي سفيان ما يكفيك وولدك بالمعروف» والمعنى فيه أن المرأة محبوسة عند الزوج لمنفعة تعود إلى الزوج فيكون كفايتها في مال الزوج كالقاضي لما حبس نفسه لأعمال المسلمين كانت نفقته في بيت مال المسلمين، وكعامل الصدقات لما حبس نفسه لعمل المساكين استوجب كفايته في مالهم كذا هاهنا.
ثم هذا الفصل يشتمل على أنواع:

.النوع الأول في بيان من يستحق النفقة من الزوجات ومن لا يستحق:

قال: إذا تزوج الرجل امرأة كبيرة فطلبت النفقة وهي في بيت الأب بعد، فلها ذلك إذا لم يطالبها الزوج بالنقلة، لأن النفقة مستحقة لها على الزوج لما ذكرنا من الدلائل، ولكل أحد يتمكن من المطالبة بحقه، وهذا لأن النفقة حق المرأة، والانتقال حق الزوج، فإذا لم يطالبها بالنقلة فقد ترك حقه وهذا لا يوجب بطلان حقها.
وقال بعض المتأخرين من أئمة بلخ: لا تستحق النفقة إذا لم تزف إلى بيت زوجها والفتوى على جواب (الكتاب)، فإن كان الزوج قد طالبها بالنقلة فإن لم تمتنع عن الانتقال إلى بيت الزوج لها النفقة أيضًا، وأما إذا امتنعت عن الانتقال، فإن كان الامتناع لحق بأن امتنعت لتستوفي مهرها فلها النفقة لأن إيفاء المهر واجب على الزوج، ولها حق حبس نفسها عن الزوج إلى أن تستوفي المهر فإنما حبست نفسها بسبب فوات مهرها فيكون فوات الاحتباس محالًا على الزوج فلا يسقط حقها في النفقة كالفرقة إذا جاءت من قبل الزوج قبل الدخول بها لا يسقط حقها عن المهر كذا هاهنا.
فأما إذا كان الامتناع بغير حق بأن كان أوفاها المهر أو كان المهر موجلًا، أو وهبته منه فلا نفقة لها لأن فوات الاحتباس هاهنا لمعنى من جهتها، والنفقة بأن الاحتباس على تبين، فتجازى بمنع بيان أداء الاحتباس وهي النفقة، ألا ترى أن الفرقة إذا جاءت من قبلها قبل الدخول تجازى بمنع جميع البدل وهو المهر كذا هاهنا.
قال: وإن كانت المرأة صغيرة، فإن كانت مثلها توطأ وتصلح للجماع فلها النفقة، وإن كانت مثلها لا توطأ ولا تصلح للجماع فلا نفقة لها عندنا حتى تصير إلى الحالة التي تطيق الجماع سواء كانت في بيت الزوج، أو في بيت الأب.
فرق بين نفقة الزوج وبين نفقة المملوك، فإن نفقة المملوك تجب على المالك، وإن كانت صغيرة لا تصلح للجماع.
والفرق: وهو أن نفقة النكاح إنما تجب بسبب الاحتباس المستحق بعد النكاح، فإنما تجب إذا حصل للزوج منفعة من منافع النكاح على سبيل الخصوص وهذا لأن الاحتباس ما كان مطلوبًا لعينه، وإنما كان مطلوبًا لغيره وهو منافع النكاح وكان المعتبر حصول منافع النكاح على الخصوص، ومنافع النكاح على الخصوص هو الجماع، والدواعي إلى الجماع، والصغيرة التي لا تصلح للجماع لا تصلح لدواعي الجماع، فكان فوات منفعة الاحتباس لمعنى خاص بجهتها فصار كما لو نشزت بخلاف ما إذا كانت تصلح للجماع.
فأما نفقة المملوك تجب لأجل الملك فقط وذلك لا يختلف بالصغر والكبر.
قال: وإن كانت المرأة تصلح للجماع، والزوج لا يطيق الجماع فلها النفقة إذا لم تكن مانعة نفسها، لأن منفعة الاحتباس هاهنا إنما فاتت لمعنى من جهة الزوج فلا يسقط حقها في النفقة، كما لو حبست نفسها من المهر.
قال: ولو كانا صغيرين لا يطيقان الجماع لا نفقة لها حتى تصير المرأة إلى الحالة التي تطيق الجماع، لأن المنع جاء لمعنى من جهتها فأكثر ما في الباب أن يجعل المنع من جهته كلًا منع، والمنع من قبلها قائم ومنع قيام المنفعة من قبلها لا يستحق النفقة.
والحاصل في جنس هذه المسائل: أنه ينظر إلى المرأة إن كانت لا تصلح للجماع لا نفقة لها سواء كان الزوج يطيق الجماع أو لا يطيق، وإن كانت المرأة تطيق الجماع فلها النفقة سواء كان الزوج يطيق الجماع أو لا يطيق.
وعن هذا قلنا: إن المجبوب إذا تزوج امرأة صغيرة لا تصلح للجماع لا يفرض لها النفقة، ولو تزوج امرأة تصلح للجماع فلها النفقة، وإن كان الزوج لا يقدر على الجماع في الوجهين جميعًا، لهذا المعنى أن المرأة في الفصل الأول لا تصلح للجماع وفي الفصل الثاني تصلح فعلم أن العبرة لما قلنا.
ثم الأصل أن المرأة إذا كانت كبيرة وهي غير مانعة نفسها عن الزوج بغير حق تستحق النفقة على الزوج.
وإن تعذر وطؤها بعارض أمر نحو الرتق والقرن والحيض والمرض سواء حصل هذا العارض في بيت الأب قبل الانتقال إلى بيت الزوج أو حصل بعدما انتقلت إلى بيت الزوج حتى إن المرأة الكبيرة إذا مرضت في بيت الزوج مرضًا لا يقدر الزوج على جماعها تستحق النفقة استحسانًا، وكذلك الكبيرة إذا مرضت في بيت الأب مرضًا لا يقدر الزوج على جماعها، وزفت إلى بيت الزوج كذلك، أو لم تزف إلى بيت الزوج إلا أنها غير مانعة نفسها من الزوج بغير حق تستحق النفقة.
وكذلك المرأة إذا كانت رتقاء أو قرناء، أو صارت مجنونة أو أصابها بلاء يمنعه عن الجماع أو كبرت حتى لا يمكن وطؤها بحكم كبرها كان لها النفقة سواء أصابتها هذه العوارض بعدما انتقلت إلى بيت الزوج، أو قبل ذلك إذا لم تكن مانعة نفسها من الزوج بغير حق، وهذا الذي ذكرنا في هذه المسائل جواب ظاهر الرواية.
والوجه من هذه المسائل ما ذكرنا: أن المعتبر في إيجاب النفقة احتباس ينتفع به الزوج انتفاعًا مقصودًا بالنكاح وهو الجماع أو الدواعي إلى الجماع، والانتفاع من حيث الدواعي في هذه المسائل حاصل.
وروي عن أبي يوسف رحمه الله في الرتقاء والمريضة التي لا يمكن وطؤها أنه لا نفقة لها قبل أن ينقلها الزوج إلى بيت نفسه وإن انتقلت إلى بيت الزوج من غير رضا الزوج فللزوج أن يردها إلى أهلها، وأما إذا نقلها الزوج بنفسه مع علمه بذلك فليس له أن يردها بعد ذلك ولها النفقة.
ووجه ذلك: أن التسليم الذي اقتضاه العقد تسليم من غير مانع يمنع من الوطء وذلك غير موجود هاهنا فكان في التسليم نوع قصور وخلل فلا تستحق النفقة، فإذا نقلها الزوج إلى بيته مع علمه بذلك فقد رضي بالخلل فكان عليه النفقة فلا يجوز ردها لرضاه بالتسليم القاصر بخلاف الصغيرة التي لا تصلح للجماع، لأن هناك المنفعة فائنة أصلًا فكان له أن يردها ولا تجب نفقتها.
أما هاهنا بخلافه حتى لو كانت الصغيرة بحال تصلح لمنفعة الخدمة والاستئناس فنقلها الزوج إلى بيت نفسه ليس له أن يردها وتستحق النفقة عند أبي يوسف رحمه الله فكأنه اعتبر منفعة الاستئناس على هذه الرواية، وروي عن محمد رحمه الله في الرتقاء: أنه لا يلزم الزوج نفقتها قبل أن ينقلها الزوج بنفسه إلى بيته كما هو قول أبي يوسف رحمه الله ثم فرق أبو يوسف رحمه الله بينما إذا جاءت إلى بيت الزوج مريضة وبينما إذا مرضت في بيت الزوج فقال: إذا جاءت إلى بيت الزوج مريضة فللزوج أن يردها ولا نفقة عليه، وإذا مرضت في بيت الزوج بعدما جاءت إليه صحيحة فليس له أن يردها بل ينفق عليها إلا إن تطاول قال: لأن النكاح يعقد للصحبة والإلفة، وليس من الإلفة أن يمتنع عن الإنفاق أو يردها بقليل مرض فإذا تطاول ذلك فهو بمنزلة الرتق الذي لا يزول عادة قضاء، كما لو كانت صغيرة لا تجامع مثلها فتسقط نفقتها.
قال: وإذا احتبست المرأة في دين قبل النقلة، فإن كانت تقدر. أن تخلي بينه وبين نفسها فلها النفقة، وإن كانت في موضع لا يقدر الزوج على الوصول إليها فلا نفقه لها، وهذا لأنها إذا قدرت على أن توصل الزوج إلى نفسها فقدر الزوج على الاستمتاع بها وفوات الاحتباس في بيت الزوج ما كان من جهتها فلا يسقط حقها، وأما إذا لم تقدر أن توصله إلى نفسها لم يتمكن الزوج من الاستمتاع بها فلا تستحق النفقة.
وأما إذا حبست بعد النقلة وبعدما فرض القاضي لها النفقة لا تبطل نفقتها، لأن التسليم قد وجد والمنع حصل بعارض أمر غير مضاف إليها فلا يؤثر في إسقاط حقها كالحيض، وهذا كله إذا كانت محبوسة في دين لا تقدر على الأداء، فإن قدرت على الأداء فلم تفعل فلا نفقة لحصول المنع مضافًا إليها، وهذا كله قول أبي يوسف رحمه الله، وهو اختيار القاضي الإمام علي السغدي رحمه الله.
وذكر محمد رحمه الله في (الجامع الكبير) وفي (الأصل): أنها إذا حبست فلا نفقة لها من غير تفصيل، وذكر الخصاف في (أدب القاضي) أنها إذا حبست فكانت قادرة على أداء الدين أو لم تكن، أو حبست ظلمًا بغير حق فلا نفقة لها، وكذلك لو هرب بها هارب لم تستحق النفقة على رواية (الأصل) و(الجامع) رواية الخصاف، وعلى رواية أبي يوسف رحمه الله وهو اختيار القاضي الإمام علي السغدي رحمه الله لها النفقة.
فالحاصل: أن على رواية أبي يوسف رحمه الله وهو اختيار القاضي الإمام المعتبر افوات النفقة فوات الاحتباس من جهتها ولم يوجد ذلك هاهنا، وعلى رواية (الأصل) و(الجامع) رواية الخصاف المعتبر لسقوط النفقة فوات الاحتباس لا من جهة الزوج وقد فات الاحتباس هاهنا لا من جهة الزوج وهذا هو الصحيح.
والمعنى في ذلك أن النفقة إنما تجب عوضًا عن الاحتباس في بيت الزوج، فإذا كان الفوات لمعنى من جهة الزوج أمكن أن يجعل ذلك الاحتباس باقيًا تقديرًا، أما إذا كان الفوات بمعنى من جهة الزوجة لا يمكن أن يجعل ذلك الاحتباس باقيًا تقديرًا وبدونه لا يمكن إيجاب النفقة وهو نظير ما قلنا في الغاصب. إذا غصب المستأجر من يد المستأجر لا يجب الأخذ على المستأجر بهذا إن فات التمكن من الانتفاع لا من جهة المستأجر كذا هاهنا.
قال: وإن حبس الزوج وهو يقدر على الأداء أو لا يقدر أو حبس ظلمًا أو هرب أو...... كان لها النفقة لأن الاحتباس هاهنا فات لمعنى من جهة الزوج.
قال: ولو حجّت المرأة حجة الإسلام فإن كان قبل أن تسلم نفسها فلا نفقة لها، ولو كان الزوج (دخل) بها ثم حجت المرأة مع محرم فلها النفقة في قول أبي يوسف رحمه الله، وقال محمد رحمه الله: لا نفقة لها هكذا ذكر في (القدوري): وذكر الخصاف رحمه الله، أنه لا نفقة لها ولم يذكر فيه خلافًا فيحمل أن يكون ما ذكر الخصاف قول محمد رحمه الله.
فوجه قول أبي يوسف رحمه الله: أن الزوج لما بنى بها فقد وجد التسليم، والمانع أداء الفرض وهي مضطرة في ذلك بخلاف ما لو لم يبنى بها لأن هناك لم يوجد التسليم أصلًا.
وجه قول محمد رحمه الله: أن منفعة الاحتباس فات لمعنى من جهة المرأة فتوجب سقوط النفقة لما قلنا قبل هذا بخلاف ما لو صلت أو صامت عن رمضان فرفع على قول أبي يوسف رحمه الله فقال: تفرض لها نفقة الإقامة دون السفر بعين تعتبر ما كان قيمته للطعام في الحصر لا ما كان قيمة له في السفر لأن هذه الزيادة لحقها بأداء منفعة تحصل لها فلا يكون ذلك على الزوج أن يكتري لها؛ لأن هذا ليس من... كالمريضة لا تستحق المداواة على الزوج وليس على الزوج أن يكتري لها لأن هذا ليس من نفقة الحضر فيكون في مالها، ولو أقامت هناك مدة لا يحتاج إليها بطلت نفقتها لأنها غير مضطرة في ذلك فصارت كالناشزة، ولو طلبت من الزوج نفقة مدة الذهاب والمجيء لم يكن لها ذلك، ولكن يعطيها نفقة شهر، لأن الواجب لها نفقة الإقامة دون السفر، ونفقة الإقامة تفرض لها شهرًا فشهرًا.
ثم قال: فإذا عادت أخذت ما بقي، هكذا ذكر في (القدوري) وفيه نظر، فإنَّ نفقة الزوجات لا تصير دينًا إلا بالقضاء أو بالتراضي كل ما نبين بعد هذا إن شاء الله تعالى.
ولم يذكر القضاء والرضا فكانت المسألة، وله قال: فإن حج الزوج معها فلها النفقة على الزوج بالاتفاق، لكن تجب نفقة الحضر، ولا تجب على السفر، ولا مؤنة السفر لما قلنا، وروي عن أبي يوسف رحمها الله تعالى أن المرأة إذا أرادت حجة الإسلام يؤمر الزوج أن يخرج معها في حجتها وينفق عليها، قال: وإذا تزوج الحر أو العبد أو المكاتب أو المدبر بأمة رجل كان لها على الزوج النفقة بقدر ما يكفيها.... بعدما توالها بيتًا أما بدون البيتوتة لا تستحق، وتفسير البيتوتة أن يخلي المولى بين الأمة وزوجها في منزل الزوج ولا يستخدمها، وهذا لأن المعتبر في استحقاق تفريفها نفسها للقيام بمصالح الزوج، وذلك يحصّل....، قلنا قال في (الكتاب): وكذلك العبد، أو المكاتب أو المدبر إذا تزوج امرأة حرة قد يفرض عليه نفقتها فقد شرط البيتوتة في الحرة أيضًا، وهذا.... يصح لأن الحرة مهيأة للقيام بمصالح الزوج، إذ ليس هاهنا من يستخدمها ويمنعها من التزوج بخلاف الأمة، فينبغي أن تستحق الحرة النفقة، في هذه المسائل لم تكن مانعة نفسها من الزوج وإن لم توجد البيتوتة، ألا ترى أن الحر إذا تزوج بحرة تستحق النفقة وإذا لم توجد البينونة، إذ لم تكن مانعة نفسها من الزوج كذا هاهنا، قال: والمدبرة وأم الولد نظير الأمة، إذ المعنى لا يوجب الفصل بينهن، ثم قال: والبيتوتة غير واجبة على المولى، لأن حق المولى في الاستخدام باقي، فلو كاتبها المولى على البيتوتة فقد أبطلا حقه في الاستخدام، وهذا مما لا وجه ولا سبيل إليه، قال: ولو برأها المولى ثم بدا له أن يستخدمها فله ذلك، لما ذكرنا أن حق المولى في الاستخدام باقي فلا تسقط بالبيتوة، كما لا تسقط بالإنكاح، ثم إذا استخدمها المولى بعد ذلك ولم يحل بينها وبين الزوج فلا نفقة لها، لأنه فات ما كان تجب به نفقتها وهو البيتوتة من جهة من له الحق، فشابهت الحرة الناشزة، قال: ولو بوأها المولى فكانت إلى المولى في بعض الأوقات تخدمهُ من غير أن يستخدمها لم تسقط نفقتها، لأن البيتوتة من جهة المولى، والنفقة إنما تجب حقًا للمولى فلا يسقط بصنع يوجد من عند المولى.
بخلاف ما إذا استخدمها المولى على ما مر، قال: ولو جاءت إلى بيت المولى في وقت، والمولى ليس في البيت واستخدمها أهل المولى ومنعوها من الرجوع إلى بيته، فلا نفقة لها لأن استخدام أهل المولى إياها بمنزلة استخدام المولى، وفيه تفويت البيتوتة، قال: وإذا تزوجت المكاتبة بإذن المولى، فهي كالحره فلا تحتاج إلى البيتوتة لاستحقاق النفقة لأن منافعها على ملكها لضره وريها أخص بنفسها ومنافعها بعقد الكتابة، ولهذا لم يبق للمولى، ولأن الاستخدام مكانه فكانت كالحرة فلا يحتاج في حقها إلى البيتوتة، وهذه المسألة تزيد ما ذكرنا في الحرة إذا قامت تحت عبد أو مكاتب أو مدبر، ثم فرع على مسألة العبد فقال: إذا تزوج العبد بإذن المولى، وفرض القاضي عليه النفقة، فالنفقة تتعلق بمالية الرقبة، لأن دين النفقة ظهر في حق المولى لأنه سببه وهو النكاح كان برضا المولى، وإذا اجتمع عليه من النفقة ما يعجزه عن الأداء يباع فيه إلا أن يفديه المولى، ثم إذا اجتمع عليه النفقة مرة أخرى يباع العبد ثانيًا.
قال شمس الأئمة السرخسي رحمه الله وليس في شيء من ديون العبد ما يباع فيه مرة بعد مرة إلا النفقة، وهذا لأن النفقة تتجدد وجوبها بمضي الزمان، فكذلك في حكم دين حادث، ولا كذلك سائر الديون.
قال: وإن مات العبد بطل ما اجتمع عليه من النفقة لا يؤاخذ المولى بشيء لأن محل الاستيفاء قد فات، قال: وإن قتل العبد كانت النفقة في قيمته، قال الشيخ أبو الحسن القدوري رحمه الله في (شرحه): هذا ليس بصحيح، وإنما الصحيح أن تسقط النفقة بالموت، لأن النفقة في معنى الحر على ما يأتي بعد هذا إن شاء الله، والصِّلات تبطل بالموت قبل القبض، والقيمة إنما تقام مقام الرقبة في دين لا يسقط بالموت، لا في دين سقط بالموت، هذا الذي ذكرنا في العبد، أما المدبر إذا تزوج بإذن المولى، فالنفقة تتعلق بكسبه، لأن الاستيفاء من الرقبة هاهنا متعذر لعدم جواز بيعه، فيتعلق بكسبه كسائر الديون، وكذلك نفقة امرأة المكاتب تتعلق بكسبه ما دام مكاتبًا لتعذر الاستيفاء من الرقبة، فإذا عجز بيع فيها لإمكان الاستيفاء من الرقبة بعد العجز، فهذا الذي ذكرنا، إذا تزوج العبد أو المكاتب أو المدبر بإذن المولى.
وإذا تزوجوا بغير إذن المولى فلا نفقة عليهم ولا مهر، لأن وجوب النفقة والمهر يعتمد صحة العقد، ونكاح هؤلاء بغير إذن المولى لا يصح، فإن عتق واحد منهم جاز نكاحه حين عتق، لسقوط حق المولى، ويجب عليه المهر والنفقة في المستقبل.
وقال: ومعتق البعض عند أبي حنيفة رحمه الله بمنزلة المكاتب وعندهما بمنزلة من عليه دين بناءً على أن الإعتاق عندهما لا يتجزأ وعند أبي حنيفة رحمه الله يتجزأ فكان بمنزلة المكاتب، إلا أن الرد في الرق بالعجز هاهنا لا يتصور، وفي المكاتب يتصور، أما قبل العجز خالعها وأخذ (العوض) قال: وإذا تزوج الرجل أمته من عبده بوأها بيتًا أو لم يبوئ فنفقتها على المولى، لأنهما جميعًا ملك المولى، ونفقة المماليك بعد هذا إن شاء الله تعالى.
قال: وإذا زوج الرجل ابنته من عبده، وطلبت النفقة كان لها النفقة على العبد لأن النفقة في معنى سائر الديون من وجه والابنة تستحق الدين على الأب، فكذلك على عبد الأب.
قال: وإذا (كان) للرجل نسوة بعضهن حرائر مسلمات، وبعضهن إماء وذميات باختلاف الدين والرق والحرية، إلا أن الحرة تستحق نفقة خادمها على ما يأتي بعدها إن شاء الله، والأمة لا لأن الحرة تستخدم الأمة، فأما الأمة خادمة في نفسها فلا تستحق نفقة الخادم.
قال: ولا نفقة في النكاح الفاسد، ولا في العدة منه لأنه لم يحصل للزوج بهذا الاحتباس منفعة من منافع النكاح وهو الوطء أو الدواعي لأنه ممنوع شرعًا، فصار بمنزلة الصغيرة لا يجامع مثلها.
قال: ولو كان النكاح صحيحًا من حيث الظاهر، ففرض القاضي لها النفقة وأخذت ذلك أشهرًا، ثم ظهر فساد النكاح بأن شهد الشهود أنها أخته من الرضاعة، وفرق القاضي بينهما رجع الزوج على المرأة بما أخذت، لأنه تبين أنها أخذت بغير حق، وهذا إذا فرض القاضي لها النفقة، أما إذا أنفق الزوج عليها مسامحة من غير فرض القاضي لم يرجع عليها بشيء، كذا ذكر الصدر الشهيد رحمه الله في (شرح القاضي).
وذكر في (الحاوي في الفتاوي)، أن الرجل إذا اتهم بامرأة وظهر بها حبل فزوجت من هذا الرجل، فإن لم يقر هذا الرجل بأن هذا الحبل منه، فإن النكاح فاسد عند أبي يوسف رحمه الله فلا تستحق النفقة، وعندهما النكاح صحيح فتستحق النفقة، وذكر في موضع آخر أن على قولهما لا تستحق النفقة أيضًا، لأن النكاح وإن كان صحيحًا عندهما إلا أن الزوج ممنوع عن وطئها، فأما إذا أقر الرجل أن الحبل منه فالنكاح صحيح بالاتفاق وهو غير ممنوع عن وطئها فتستحق النفقة عند الكل.
في (فتاوى النسفي) رحمه الله في منكوحة تزوجت بزوج آخر ودخل بها الزوج الثاني وفرق بينهما حتى وجبت العدة، ففي الحالة التي تعتد لا نفقة لها لا على الزوج الأول، ولا على الزوج الثاني أما على الزوج الثاني فالنكاح الثاني فاسد، وأما على الزوج الأول فلأنها صارت ناشزة عن الأول ولا تستحق النفقة عليه.
وقال: ولا نفقة للناشزة ما دامت على تلك الحالة، لأنها إنما تستحق النفقة بتسليمها بنفسها إلى الزوج وتفريقها نفسها لمصالح الزوج فإذا امتنعت عن ذلك ظالمة، فقد فوتت ما كانت تستحق النفقة باعتباره فلا تجب لها النفقة، وقد صح أن شريحًا رحمة الله عليه سئل أن الناشزة هل تستحق النفقة: فقال: نعم.... فقال: جوالق من تراب، بين لا نفقة لها، ثم بين الخصاف رحمه الله الناشزة فقال: الناشزة هي الخارجة عن منزله زوجها المانعة نفسها منه، لأنها إذا كانت مقيمة مع الزوج في منزله فالظاهر أن الزوج يقدر على تحصيل المقصود منها فلا يوجب ذلك بطلان نفقتها، وتستوي المرأة في حق الناشزة أن تكون النفقة مفروضة أو لم تكن لا نفقة للمرأة مفروضة كانت، أو غير مفروضة بأن الاحتباس في بيت الزوج، فإذا فات الاحتباس في بيت الزوج فات ما تأدى به النفقة فتفوت النفقة ضرورة في حق هذا المعنى المفروضة وغير المفروضة على السواء، إليه أشار محمد رحمه الله في (الجامع)، في الباب الثاني من كتاب القضاء في مسألة ذكرها على سبيل الاستشهاد عبيد.
وكذلك لو كان وصورتها إذا قضى القاضي بالفرقة بشهادة الشهود، ثم ظهر أن الشهود عبيد، وكذلك لو كان المنزل ملكًا للمرأة والزوج يسكن معها في بيتها فمنعته من الدخول عليها لم يكن لها نفقة ما دامت على تلك الحالة، لأنها لما منعته عن الدخول عليها فقد حبست نفسها منه فصار كأنها نشزت إلى موضع آخر.
قال في (الكتاب): إلا أن تكون سألته أن يحولها إلى منزله أو يكتري لها منزلًا آخر فيه وتقول: إني أحتاج إلى منزل، ومنعته من الدخول عليه فلها ذلك، وعليه النفقة، لأن منفعة الاحتباس هاهنا، إنما فات لمعنى من جهة الزوج فلا يوجب بطلان المنفعة، ثم في كل موضع تسقط نفقة المرأة لأجل النشوز، لو تركت النشوز كان لها النفقة، لأن المسقط للنفقة هو النشوز.
فإذا تركت النشوز ارتفع المسقط فصار الحال بعد ترك النشوز كالحال قبل النشوز، وذكر في (الفتاوى) عمن أوفى مهر امرأته وهو يسكنها في أرض الغصب وامتنعت هي منه قال: لها النفقة لأنها محقة وليست بناشزة قال: وإذا بقيت المرأة مع زوجها، أو أبت أن تتحول معه إلى منزله أو حيث تريد من البلدان وقد أوفى مهرها فلا نفقة لها عليه، لأنها مبطلة في هذا المنع فكانت ناشزة، وإن كان لم يعطها مهرها وباقي المسألة بحالها فلها النفقة لأنها محقة في هذا المنع، هذا إذا لم يدخل بها، فإن دخل بها فكذلك الجواب في قول أبي حنيفة رحمه الله، وفي قولهما لا نفقة لها سواء أوفاها المهر، أم لا وهذا بناءً على أن بعدما دخل الزوج بها ليس لها أن تمنع حتى يوفيها الزوج المهر عندهما، وعند أبي حنيفة رحمه الله لها ذلك فكانت مبطلة في هذا المنع عندهما فلا نفقة لها قال الفقيه أبو القاسم الصفار رحمه الله: هذا كان في زمانهم، أما في زماننا لا يملك الزوج أن يسافر بها، وإن أوفى صداقها، لأن في زمانهم الغالب من حال الناس الصلاح، أما في زماننا فسد الناس، والمرأة إذا كانت بين عشيرتها فالزوج لا يقدر على أن يظلمها، ومتى نقلها إلى بلد آخر ظلمها، فقيل له أن يخرجها من البلد إلى القرية، أو على العكس قال: ذلك ليس سفر، وإخراجها إلى بلد آخر سفر.

.النوع الثاني في كسوة المرأة:

(الأصل): في ذلك قوله تعالى: {وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 233] والمعنى الذي أوجب النفقة للمرأة على الزوج وهو كونها محبوسة في بيت الزوج لمنفعة تعود إلى الزوج توجب الكسوة أيضًا على الزوج إذا عرفنا هذا.
قال محمد رحمه الله في (الكتاب): الكسوة للمرأة على المعسر في اليسار درع يهودي وملحفة كأرخص ما يكون مما يدفنها، وعلى الموسر في اليسار درع يهودي أو هروي، وملحفة وخمار إبريسم، وكساء ولها في الصيف درع سامريّ وملحفة كتان، أو خمار إبريسم فقال: أوجب لها في الستار أكثر مما أوجب في الصيف لدفع أذى الحر، وتحتاج لدفع البرد ما لا تحتاج لدفع أذى الحر، فقد ذكر محمد رحمه الله في (الأصل): للمرأة الدرع، والخصاف ذكر القميص وهما سواء غير أن الدرع ما يلبسه النساء، وهو أن يكون مجببًا من قبل أن الصدر والقميص ما يكون مجببًا من قبل الكتف فتوسع الخصاف وأجاز ذلك للنساء، وذكر الملحفة وتكلموا في تفسيرها قال بعضهم: غطاء الليل يلبس في الليل، وقال بعضهم: التي تلبس المرأة عند الخروج.
وقال الخصاف رحمه الله في (كتابه): الملحفة تشبه الرداء، غير أن الملحفة أعرض من الرداء فتكون أستر للمرأة ثم لم يوجب للمرأة الإزار، والخصاف أوجب الإزار لها في كسوة الشتاء لا في كسوة الصيف.
ومحمد رحمه الله لم يوجب لها الإزار أصلًا قال شمس الأئمة السرخسي رحمه الله: إنما لم يوجب محمد رحمه الله ذلك باعتبار أن الإزار إنما يحتاج إليه للخروج، والمرأة منهية عن الخروج ومأمورة بأن تكون مهيأة لبساط الزوج، فلا يكون على الزوج أن يتخذ ما يحول بينه وبين حقه، فهذا التعليل إشارة إلى أنه لا يفرض للمرأة الإزار في ديارنا أيضًا، وقال غيره من المشايخ: هذا بناء على عرف ديارهم، فإن في عرف ديار محمد رحمه المرأة تمكث في بيت الزوج بلا سراويل، وتلبس درعًا طويلًا، وفي عرف ديار الخصاف وهو ديار عراق تمكث المرأة مع السراويل لكن في الصيف لا يمكنهن ذلك لشدة الحر، وفي الشتاء يمكنهن فهذا في عرف ديارهم، أما في عرف ديارنا يجب لها الإزار، وثياب أخر تحتاج إليها في الشتاء نحو الجبة وما أشبه ذلك، ولم يوجب للمرأة الملقب والخف لأن كل واحد منهما يحتاج إليه للخروج، والمرأة لا تحتاج إلى الخروج والبروز.
قال: ويجب لها في الشتاء لحاف، أو قطيف إن لم تكن تحتمل لحافًا، وكذلك يجب لها فراش تنام عليه، لأن النوم على الأرض ربما يؤذيها ويمرضها، وهو منهي عن إلحاق الضرر والأذى بها قال في (الكتاب): يجعل لها القاضي ما ينام عليه مثل الفراش أو المضربة أو المرفقة، وفي الشتاء لحاف تتغطى به، ذكر لها فراشًا على حدة ولم يكتف لها بفراش واحد، لما روي عن النبي عليه السلام أنه قال: «الفراش ثلاثة، فراش لك وفراش لأهلك والثالث للشيطان».
ثم ذكر محمد رحمه الله في (الكتاب) من القياب فهو بناء على عاداتهم وذلك يختلف باختلاف الأمكنة في شدة الحر والبرد، وباختلاف العادات فيما يلبسه الناس في كل وقت فيجب على القاضي اعتبار الكناية بالمعروف فيما يعرض في كل وقت، ومكان النوع الثالث في فرض القاضي نفقة المرأة وكسوتها.
قال: وإذا طالبت المرأة زوجها بالنفقة وهي امرأة على حالها، وقالت أنه يصرف عليّ ويضربني فالقاضي يأمر بالنفقة عليها لأن الله تعالى أمر الزوج بالإمساك بالمعروف قال الله تعالى: {فأمسكوهن بمعروف} [الطلاق: 2] وليس من المعروف ترك التوسع في النفقة والزوج هو الذي يلي الإنفاق، إلا أن يظهر للقاضي مطلب أنه يضربها ولا ينفق عليها حينئذٍ يفرض القاضي لها نفقة عليه في كل شهر وأمره أن يعطيها لتنفق هي على نفسها نظرًا لها، فإذا لم يعطها وقدمته مرارًا ولم يقبل نُصح القاضي ولم ينجح فيه وعظه وحبسه القاضي لظهور مطله وظلمه وسيأتي الكلام في الجنس بعد هذا إن شاء الله تعالى.
قال: وإذا طلبت المرأة من القاضي أن يفرض لها نفقة على الزوج، فالمسألة على وجهين: أما إذا كان الزوج حاضرًا أو غائبًا، فإن كان حاضرًا أو كان الزوج صاحب مائدة فالقاضي لا يفرض لها النفقة وإن طلبت لأنها متعينة في طلب النفقة لأن الرجل إذا كان بهذه الصفة ينفق على من ليس عليه نفقته فلا يمنع في الإنفاق على من عليه نفقتها فلا يفرض القاضي لها النفقة إلا إذا ظهر للقاضي أنه يضربها ولا ينفق عليها فحينئذٍ يفرض لها النفقة.
وإن لم يكن الزوج صاحب مائدة فالقاضي يفرض نفقة لها كل شهر، وأمر بأن يعطيها هكذا ذكر في (الكتاب)، وعلى قياس المسألة الأولى ينبغي أن يكون الزوج هو الذي يلي الإنفاق إذا ظهر للقاضي مطل الزوج وظلمه على ما ذكرنا فحينئذٍ يفرض.
قال: وليس في النفقة عندنا التقدير لازم، لأن المقصود من النفقة الكفاية وذلك مما يختلف فيه طباع الناس وأحوالهم، ويختلف باختلاف الأوقات أيضًا، وفي التقدير بمقدار.... بأحديهما، والذي قال في (الكتاب): (إن) كان الزوج معسرًا فرض لها القاضي من النفقة كل شهر أربعة دراهم فهذا ليس تقدير لازم لأن هذا يختلف باختلاف الأسعار في الغلاء والرخص، واختلاف المواضع، واختلاف الأوقات فكان في التقدير بالدراهم إضرار بأحدههما فلا يعتبر ذلك إلا أن محمدًا رحمه الله ذكر التقدير بالدراهم بناءً على ما بينا، هذا في زمانه الذي يحق على القاضي (أما) في زمننا اعتبار الكفاية بالمعروف فيما يفرض في كل وقت ومكان، و(الأصل) فيه قوله عليه السلام لهند: «خذي من مال أبي سفيان ما يكفيك ولولدك بالمعروف فيما يفرض» والمعنى في ذلك أن في النفقة معنى الصلة، والصلات شرعت على وجه يكون فيه نظر من الجانبين والنظر للجانبين أن يتقيد بالمعروف بلا سرف ولا تقتير، قال: وكما يفرض القاضي لها قدر الكفاية من الطعام، وكذا من الإدام والدهن، أما الإدام فلأن الخبز لا يتناول عادة إلا....، وأما الدهن فلأنه لا يستغنى عنه خصوصًا في ديار الحر من أصول الحوائج.
قال: والجواب في الكسوة كالجواب في النفقة يريد به أن القاضي يفرض لها من الكسوة للشتاء والصيف ما يكفيها بالمعروف بقوله تعالى: {رزقهن وكسوتهن بالمعروف} [البقرة: 233] والمعنى فيه أن بقاء النفس عادة بهما، والحاجة إلى ذلك تختلف باختلاف الأوقات فيقضي لها في كل وقت ما تحتاج إليه بالمعروف غير أن الكسوة تفرض عليها في كل ستة أشهر، لأن حاجتها إلى الكسوة مما يختلف باختلاف الشتاء والصيف فيقضي لها في كل فصل بقدر الحاجة، والنفقة تفرض في كل شهر ويدفع إليها؛ لأنه متعذر على القاضي أن (يفرض) لها النفقة في كل ساعة، وتعذر عليه أن يفرض لها في جميع مدة النكاح لأن ذلك مجهول فقدرناه بكل شهر لأنه أقل الآجال المعتاد فيها بين الناس.

.فرع على هذه الأفعال:

إذا فرض القاضي لها نفقة شهر فلم يدفع الزوج ذلك فأرادت المرأة أن تطلب كل يوم فإنما تطلب عند المساء لأن حصة كل يوم معلوم فيمكنها المطالبة بذلك، ولا كذلك ما دون اليوم لأنه مقدر بالساعات فلا يمكن اعتبارها قال شمس الأئمة السرخسي رحمه الله في (شرحه): ما ذكر محمد رحمه الله: أن النفقة تفرض لها شهرًا فشهرًا ليس بتقدير لازم، إنما ذلك بناء على عاداتهم وبعض المتأخرين من مشايخنا قالوا: يعتبر في ذلك حال الرجل، فإن كان محترفًا تفرض عليه النفقة يومًا فيومًا، فإن كان من التجار تفرض عليه النفقة شهرًا فشهرًا، وإن كان من الدهاقين تفرض عليه النفقة سنة فسنة لأن تيسير الأداء على الدهاقين عند إدراك الغلة في كل سنة وتيسير الأداء على التجار عند حال غلة الحوانيت وغيرها في كل شهر، وتيسير الأداء على المحترف بالاكتساب كل يوم هو، ثم في ظاهر رواية (الأصل): المعتبر في فرض النفقة (على) حال الزوج في اليسار والإعسار، وهكذا ذكر في (شرح القدوري): وهذا بقوله تعالى: {على الموسع قدره وعلى المقتر قدره} [البقرة: 236] وقال الله تعالى: {فلينفق مما أتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما أتاها} [الطلاق: 7] وذكر الخصاف في (النفقات) أنه يعتبر حالهما في اليسار والإعسار حتى لو كانا موسرين كان لها نفقة الموسرين، ولو كانا معسرين فلها نفقة المعسرين، وإن كانت موسرة فيقال له: تكلف إلى أن يطعمها ما يأكل بنفسه، ولا ما كانت المرأة تأكل في بيت أهلها، ولكن يطعمها فيما بين ذلك يطعمها خبز البر وناخة أو ناختين فهذا، فهو معنى......
وإشارة الخصاف في (أدب القاضي):...... في بعضها يسير إلى أن يعتبر حال الزوج وفي بعضها يسير إلى أنه يعتبر حالهما، قال مشايخنا رحمهم الله: والمستحب للزوج إذا كان موسرًا مقرًا اليسار، والمرأة فقيرة أن يأكل معها ما يأكل بنفسه لأنه مأمور بحسن العشرة معها وذلك في أن يؤاكلها لتكون نفقته ونفقتها سواء.
قال في (الكتاب): وكل جواب عرفته في فرض النفقة من اعتبار حال الزوج أو اعتبار حالها فهو الجواب في الكسوة؛ إذ المعنى لا يختلف قال: وإذا فرض القاضي للمرأة ما تحتاج إليه من الدقيق وسائر المؤن فقالت: أنا لا أعمل ولا أخبز ولا أطبخ ولا أعالج شيئًا معها فإنها لا تجبر على ذلك، وعلى الزوج أن يأتيها بمن يكفيها عمل الطبخ والخبز وما أشبهه، وهذا لأن الواجب لها على الزوج الطعام قال الله تعالى: {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ} [المائدة: 89] والطعام ما يمكن تناوله، والدقيق والحنطة مما لا يمكن تناولها ويجب على الزوج أن يجعل الحنطة والدقيق مهيأة، وذلك بالخبز والطبخ هكذا ذكر الخصاف في (آداب القاضي والنفقات) قال الفقيه أبو الليث رحمه الله: في نكاح (الفتاوى) هذا إذا كانت المرأة بها علة لا تقدر على هذه الأعمال، وهي ممن تخدم بنفسها لا يجب على الزوج أن يأتيها من يعمل هذه الأعمال، لأنها متعينة في ذلك.
وقال شمس الأئمة السرخسي رحمه الله: إذا امتنعت المرأة من الخبز والطبخ وأعمال البيت كان للزوج أن يمتنع من الإدام أيضًا، ويعطيها خبز البر ما يمكن أكلها من وجه ويقول: هو طعام وليس علي سوى الطعام، وكذلك إذا طلبت الفواكه كان للزوج أن يمتنع عن بعض الفواكه، وإن أعطاها خبز الشعير لابد من الإدام لأنه لا يمكن تناوله ولكن لا يجبر على ذلك في الحكم ومتى أقامت الأعمال في البيت فالزوج يؤدي هذه الأشياء إليها ويوصي بذلك ديانة لا جبرًا أو حكمًا، ثم على ظاهر الرواية فرق بين نفقة المرأة وبين نفقة خادمتها، فإن خادمتها إذا امتنعت عن هذه الأعمال لا تستحق النفقة على زوج مولاها.
والفرق: وهو أن نفقة الخادم إنما تجب بإزاء الخدمة، فإذا امتنعت عن هذه الأعمال ثم يوجد ما تستحق هي النفقة بمقابلها، وأما نفقة المرأة أنها تجب بإزاء التمكن وقد مكثت فلا يجب عليها هذه الأعمال، هذا الذي ذكرنا، كله إذا كان الزوج حاضرًا، فإما إذا كان الزوج غائبًا وله مال حاضر في بيته فطلبت من القاضي أن يفرض لها النفقة فإن كان القاضي يعلم بالنكاح بينهما، فرض لها النفقة في ذلك المال، لأن هذا إبقاء لحق المرأة وليس بقضاء على الزوج بالنفقة، لأن النفقة واجبة على الزوج بحكم الزوجية قبل قضاء القاضي، والقاضي عرف قيام الزوجية هاهنا، إنما الحاجة إلى الإبقاء والإبقاء لا يمتنع بسبب الغيبة ألا ترى أن من أقر بدين ثم غاب وله مال حاضر من جنس الدين، فطلب صاحب الدين من القاضي الإنفاق أجابه القاضي إلى ذلك فهاهنا كذلك.
و(الأصل) في ذلك حديث هند على ما عرف، ولكن ينبغي للقاضي أن ينظر للغائب، وذلك: في أن يخلعها إن لم يعطيها النفقة، لجواز أن يكون أعطاها النفقة قبل أن يغيب وهو يلتبس على القاضي ليأخذ نائبًا فإذا خلعت أعطاها النفقة وأخذ منهما كفيلًا هكذا، ذكر شمس الأئمة السرخسي رحمه الله في (شرحه)، وذكر في (أدب القاضي) للخصاف أن القاضي إذا استوفى منها بكفيل فحسن، وإن لم يأخذ كان جائزًا، والصحيح ما ذكر شمس الأئمة السرخسي رحمه الله، لأن القاضي نصب ناظرًا لكل من عجز عن النظر لنفسه بنفسه، والغائب هنا عجز عن النظر بنفسه فيجب على القاضي أن ينظر له، ونظره هاهنا في أخذ الكفيل لجواز أن يخص ويقيم بينة أنه كان أوفاها النفقة، أو يقيم بينة أنه أرسل إليها بالنفقة..... الزوج وقال: كنت أوجبت النفقة أو أرسلت إليها بالنفقة، فالقاضي يقول له: أقم البينة، فإن أقام البينة عنده أمرها القاضي بردها أخذت لأنه ظهر عند القاضي أنها أخذت بغير حق، وللزوج الخيار إن شاء أخذها بذلك، وإن شاء أخذ من الكفيل وإن لم يكن للزوج بينة وحلفت المرأة على ذلك فلا شيء على الكفيل، وإن نكلت عن اليمين ونكل الكفيل لزمها وللزوج الخيار على ما قلنا، هذا إذا كان النكاح منهما معلومًا للقاضي، أما إذا لم يكن النكاح بينهما معلومًا للقاضي وأرادت المرأة أن تقيم البينة على النكاح لم يقبل القاضي ذلك منها ولا يعطيها النفقة عند علمائنا الثلاثة رحمهم الله، لأن هذا قضاء على الغائب، لأن دفع ماله إليها لتنفق هي على نفسها لا يكون إلا بعد القضاء بالنكاح والزوجية فيكون قضاء على الغائب فلا يجوز عند زفر رحمه الله، (أن) يسمع القاضي البينة منها ولا يقضي بالنكاح ويعطيها القاضي النفقة من مال الزوج، وإن لم يكن للزوج مال يأمرها بالاستدانة..... الزوج وأقر بالنكاح أمره بقضاء الدين، وإن أنكر ذلك كلفها القاضي بإعادة البينة فإن لم تقدر أمرها بردها ما أخذت ولم يقضي لها بشيء بما استدانت على الزوج فهذا قول زفر رحمه الله، وهو قول أبي يوسف رحمه الله.
ذكر الخصاف قول أبي يوسف رحمهما الله وفي (النفقات) فيحتمل أن ما ذكره الخصاف في (النفقات)، فعن أبي يوسف رحمه الله الأول كما نص عليه في (مختصر الكافي)، وكان أبو حنيفة رحمه الله أولًا يقول يقضي بالنفقة على الغائب، وهو قول إبراهيم ثم رجع إلى قول شريح فقال: لا يقضي قولًا واحدًا، وما يفعله القضاة في زماننا من قبول البينة من المرأة وفرض النفقة على الغائب، إما ينفذ لأنه قول علمائنا الثلاث رحمهم الله في ظاهر الرواية لك لكونه مختلفًا فيه إما مع زفر أو مع أبي يوسف رحمهما الله على ما ذكر الخصاف رحمه الله فينفذ لكونه قضاء في فصل مجتهد فيه وهو أرفق بالناس ثم على قول من يقول بفرض النفقة في هذه المسألة لا تحتاج المرأة إلى إقامة البينة أن الزوج لم يخلفه النفقة، الدليل عليه الخصاف ذكر في (أدب القاضي) أنها إذا ادعت أنها زوجة فلان ولم نحلفها نفقه، ثم قال: إن أقامت بينة أنها زوجة فلان، القاضي يفرض لها عند أبي يوسف رحمه الله، ولم يقل إقامة البينة أن الزوج لم يخلفها نفقة، هذا الذي ذكرنا كله كأن المال في بيت الغائب، فإن احضرت المرأة غريمًا للزوج أو مودعًا في يديه مال الزوج فإن كان القاضي يعلم بالنكاح وبالوديعة والدين يقضى لها بالنفقة لما قلنا، فإن أنفق المودع أو المديون على والد المودع أو ولده، أو امرأته بغير أمره يضمن الآمر والمديون لكن لا يرجع المنفق على من انفق، وإن لم يكن الحال معلومًا، وإن كان المودع والمديون مقرين بالزوجية وبالمال أمرهما القاضي بإعطاء النفقة من ذلك، لأنه ثبت النكاح والمال للغائب بتصادقهما جميعًا فوجب على القاضي إبقاء حقها من ذلك المال كما لو كان هذا المال في بيت الزوج.
وهذا بخلاف دين آخر على الغائب فإن صاحب الدين لو أحضر غريمًا أو مودعًا للغائب لم يأمره القاضي بقضاء الدين، وإن كان مقرًا بالمال وبدينه.
والفرق: وهو أن القاضي إنما يأمر في حق الغائب بما يكون نظرًا له وحفظًا لملكه عليه، وفي الإنفاق على زوجته من ماله حفظ ملكه عليه، وليس في قضاء الدين من ماله حفظ ملكه عليه يد فيه قضاء عليه بقوله الغير هذا لا يجوز، وإن جحد المال للغائب، أو جحدالنكاح أو جحدت كلاهما لم يقبل منهما على شيء من ذلك، أما على المال فلأنها بهذه البينة بينت الملك للغائب، وليس بخصم في إثبات الملك للغائب، وأما على الزوجية فما ذكر في (الكتاب) أنه لا يقبل منهما، قول محمد رحمه الله وهو قول أبي حنيفة رحمه الله الآخر وأبي يوسف رحمه الله الأول الآخر، أما على قول أبي حنيفة رحمه الله الأول وهو قول أبي يوسف رحمه الله الأول يقبل منهما بالبينة، ولكن على قول أبي حنيفة رحمه الله يقضي بينهما بالنكاح، وعلى قول أبي يوسف الأول يقضي، هكذا ذكر الخصاف في (نفقاته).
وذكر في (القدوري): قول أبي حنيفة الأول رحمه الله والآخر كما ذكر الخصاف ولم يتعرض لقول أبي يوسف رحمه الله وإنما لم يقبل منها هذه البينة على النكاح لأنها بهذه البينة بينت النكاح على الغائب والمودع والمديون ليسا بخصم في إثبات النكاح على الغائب هذا الذي ذكرنا إذا كان للزوج مال خاص، فإذا لم يكن للزوج مال خاص فطلبت من القاضي أن يسمع بينتها على النكاح ويفرض لها ذلك، لأن هذا قضاء على الغائب، وهذا قول أبي حنيفة رحمه الله النفقة على الغائب ويأمرها بالاستدانة لم يجيبها إلى شيء من ذلك، لأن هذا قضاء على الغائب وهذا قول أبي حنيفة رحمه الله الآخر، وهو قول أبي يوسف ومحمد رحمهم الله، أما على قول أبي حنيفة الأول رحمه الله وهو قول زفر رحمه الله: يجيبها إلى ذلك، ذكر قول أبي حنيفة الأول رحمه الله في (السير الكبير) فكان لأبي حنيفة رحمه الله في جواز القضاء على الغائب روايتان فكان هذا فصلًا مجتهدًا فيه، فكان للقضاء محلًا فيه.
وذكر في (أدب القاضي): للخصاف إذا لم يكن للزوج مال خاص والقاضي يعلم بالنكاح فطلبت من القاضي أن يفرض لها النفقة ويأمرها بالاستدانة لا يجيبها إلى ذلك خلافًا لزفر رحمه الله فكان هذا فصلًا مجتهدًا فيه فكان للقضاء فيه مجالًا، والذي ذكرنا في النفقة كذلك في الكسوة، وهذا الذي ذكرنا كله إذا كان مال الغائب في ملكه، وما كان وديعة عندإنسان من جنس كسوتها، أو كان طعامًا له، فأما إذا كانت الوديعة والمال الذي في بيت الزوج من خلاف جنس حقها ليس لها أن تبيع شيئًا من ذلك في نفقة نفسها، وكذلك القاضي لا يبيع ذلك في نفقتها عند الكل أما عند أبي حنيفة رحمه الله فلأن البيع إنما يكون على طريق الحجر، والحجر عند أبي حنيفة رحمه الله على الحر العاقل البالغ لا يصح، وأما على قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله فكذلك الجواب، لأن عندهما إنما يبيع القاضي على الحاضر الممتنع فأما الغائب فلا يعلم امتناعه فلا يبيع القاضي قال: وينفق القاضي عليها من غلة الدار والعبد الذي هو للغائب على الوجه الذي قلنا قبل هذا.
قال في (الكتاب) عقيب هذه المسائل، وفي كل موضع كان للقاضي أن يقضي لها بالنفقة في مال الزوج فلها أن تأخذ من مال الزوج ما يكفيها بالمعروف وبغير قضاء، قال عليه السلام لهند امرأة أبي سفيان: «خذي من مال أبي سفيان ما يكفيك وولدك بالمعروف» قال: وإذا طلبت المرأة من القاضي أن يفرض لها النفقة وعلى زوجها وكان للزوج على المرأة دين فقال الزوج: احسبوا لها نفقتها منه كان له ذلك، لأن الدينين من جنس واحد فتقع المقاصة كما في سائر الديون، إلا أن في سائر الديون تقع المقاصة تقاصا أو لم يتقاصا، وهاهنا تحتاج إلى رضا الزوج لوقوع المقاصة، وإنما كان هكذا لأن دين النفقة أنقص من سائر الديون، فإن سائر الديون لا تسقط بالموت، ودين النفقة يسقط كما يتبين بعد هذا إن شاء الله تعالى فكان دين الزوج أقوى فلا تقع المقاصة إلا بنصاب الزوج كما لو كان أحد الدينين جيدًا والآخر رديئًا، فإذا قال الزوج: احسبوا لها نفقتها منه فقد رضي بوقوع المقاصة فتقع المقاصة قال: وإذا فرض القاضي للمرأة الكسوة فهلكت أو سرقت منها أو صرفتها قبل الوقت فليس عليه أن يكسوها حتى يمضي الوقت الذي لا تبقى إليه الكسوة هكذا قال في الكتاب.
و(الأصل) في هذه المسألة، بل إن القاضي متى ظهر له الخطأ في التقدير يعني التقدير معتبرًا فيما لم يمض الوقت الذي قدره القاضي لا يقضي لها بكسوة أخرى أما إذا ظهر الخطأ في التقدير جعل وجود هذا التقدير وعدمه بمنزلة القاضي (إذا) قضى لها بالكسوة ولم يؤقت لها وقتًا فتخرقت من غير إسراف، وهناك يقضيلها بكسوة أخرى كذا هاهنا إذا ثبت هذا فنقول، إذا هلكت الكسوة أو سرقت قبل الوقت لم يبين خطأه.... فلا يقضي بكسوة أخرى حتى تمضي تلك المدة وإن تمزقت الكسوة بالاستعمال قبل مضي الوقت ينظر إن تخرقت لخرق استعمالها لم يتبين الخطأ في التقدير..... فلا يقضي بكسوة أخرى حتى يمضي ذلك الوقت، أو إن تمزقت بالاستعمال المعتاد تبين الخطأ وفي التقدير لأنه وقت وقتًا لا تبقى الكسوة إلى ذلك الوقت فيقضي لها بكسوة أخرى، وكذلك الجواب في النفقة إذا أساءت أو سرقت أو أكلت أو أسرفت أو لم تسرف وكان ذلك قبل مضي الوقت فهو على ما قلنا في الكسوة.
فرق بين كسوة الزوجات ونفقتهن وبين كسوة الأقارب ونفقتهن فإن القاضي إذا فرض للأقارب الكسوة أو النفقة فضاعت من أيديهم قبل مضي الوقت، وإن القاضي يفرض لهم مرة أخرى.
والفرق وهو: أن نفقة الأقارب إنما تستحق باعتبار الجماعة ولهذا لا تستحق مع الغنى، ومتى ضاعت الكسوة والنفقة قبل الوقت فقد تجددت الحاجة، أما نفقة المرأة لا تستحق النفقة باعتبار الحاجة ولهذا تستحق المرأة النفقة مع الغنى وإنما تستحق كتابة وبالضياع قبل مضي المدة لا يتبين أنها لم تكن كافية لتلك المرأة، فأما إذا مضت المدة وكسوة المرأة ما..... فإن لم تستعمل تلك الكسوة أصلًا حتى مضى الوقت يفرض القاضي لها كسوة أخرى إذا لم يظهر خطأ القاضي في التقدير، فإن استعملت تلك الكسوة، فإن استعملت معها كسوة أخرى في تلك المرة يفرض لها كسوة أخرى لأنها لما استعملت مع هذه الكسوة كسوة أخرى في تلك المدة لم يظهر قضاء القاضي في التقدير، وإن لم تستعمل مع هذه الكسوة كسوة أخرى لا يفرض لها كسوة أخرى لأنه ظهر خطأ القاضي في التقدير حيث وقَّت وقتًا تبقى الكسوة وراء ذلك الوقت، فرق بين هذا وبينما إذا فرض لها القاضي عشرة دراهم نفقة شهر بمضي الشهر وقد بقي من العشرة شيء حيث يقضي لها القاضي بعشرة أخرى.
والفرق: أن في باب النفقة لم يظهر خطأ القاضي في التقدير يتعين بجواز أنه إنما بقي من العشرة شيء...... وحرمتها في الإنفاق على نفسها فبقي التقدير معتبرًا فيقضي القاضي لها بعشرة أخرى.
أما في باب الكسوة إذا لُبِسَت جميع المدة ولم يتخرق فقد ظهر خطأ القاضي في التقدير فيتعين لانتفاء أنه لم يوجد منها التغير في اللبس.
فرق بينه وبين نفقة الزوجات وكسوتهن، وبين نفقة المحارم وكسوتهم، فإن في الأقارب إذا مضى الوقت وبقي شيء من الدراهم وبقيت الكسوة، فالقاضي لا يقضي بأخرى في الأحوال كلها.
والفرق ما ذكرنا أن نفقة الأقارب وكسوتهم إنما تستحق باعتبار الحاجة فما بقي شيء من الدراهم، أو بقيت الكسوة لا حاجة إلى الأخرى أما نفقة المرأة إنما تستحق عوضًا عن الاحتباس في بيت الزوج من وجه، القاضي إنما جعل هذا المال عوضًا عن احتباس مقدر، فإذا لم يظهر خطأ القاضي في التقدير بتعين...... حينًا آخر لم يأخذ...... عرضًا فيقضي لها بإخرى، فهذا هو الفرق بينهما قال: وإذا قضى القاضي لها ما لا يكفيها.
فلها أن ترجع عن ذلك لأنه ظهر خطأ القاضي حين قضى بما لا يكفيها فعليه أن يتدارك الخطأ بالقضاء لها بما يكفيها، وكذلك إذا فرض القاضي على الزوج زيادة على ما يكفيها فله أن يمنع عن الزيادة لأنه ظهر خطأ القاضي حيث فرض لها زيادة على ما يكفيها، وذكر في (الحاوي في الفتاوي): أن القاضي إذا فرض لها بالأقل من الدراهم لو خص الطعام فعلًا، أو كان على العكس كان لها أن تطالب بالزيادة وله أن يمتنع عن الزيادة.
قال: وإذا فرض على المعسر نفقة المعسرين ثم أيسر تفرض عليه نفقة الموسرين عند طلبها لأن النفقة تجب شيئًا فشيئًا على ما يأتي بعد هذا، فتعتبر حاله في كل وقت فكما لا يستأنف القضاء بنفقة المعسرين بعدالنسيان لا يستديم ذلك القضاء أيضًا.

.النوع الرابع في نفقة خادم الزوجة:

قال في (الكتاب): وإذا كان زوج المرأة موسرًا وللمرأة خادم واحد فرض على الزوج نفقة ذلك الخادم، لأنه لابد لها من خادم واحد يقوم بخدمتها، ويلي أمور بيتها حتى تتفرغ المرأة لحوائج الزوج فكان ذلك من حوائج المرأة منفعة تعود إلى الزوج فيكون ذلك على الزوج ألا ترى أنه كما يفرض للقاضي كفاية في مال بيت المال، نفرض كفاية خادمة أيضًا كذا هاهنا، وهذا إذا كانت المرأة حرة، وإن كانت أمة لا تستحق نفقة الخادم على زوجها لأن الأمة خادمة في نفسها لا تستحق نفقة الخادم.
فإن كان لها خادمان أو أكثر على قول أبي حنيفة ومحمد رحمه الله: لا يفرض لأكثر من خادم وقال أبو يوسف رحمه الله يفرض لخادمين، لأنها تحتاج إلى خادمين، أحدهما مأمور داخل البيت، والآخر مأمور خارج.
ولهما: أن حاجة المرأة ترتفع بخادم واحد عادة، وما زاد على ذلك الزينة والتجمل، ووجوب النفقة على الزوج للكفاية دون الزينة والتجمل.
فرق أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله بين الزوجة والأولاد، فإنه إذا كان للرجل الموسر أولاد لا يكفيهم خادم واحد عادة في الزيادة على الواحد غير محتاج إليه عادة، وأما الأولاد إذا كثروا لا يكفيهم خادم واحد يجاز أن يفرض عليه نفقة خادمين أو أكثر مقدار ما يكفيهم، والاختلاف في هذه المسألة نظير اختلافهم في العادة إذا...... قوسين لا يسهم له إلا بفرض واحد عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وعند أبي يوسف رحمه الله بسهم قوسين.
وذكر في (فتاوى أهل سمرقند): رحمهم الله قيل: إن المرأة إذا كانت من بنات الأشراف ولها خدام كثر، خيّر الزوج على نفقة خادمين، لأن مثل هذه المرأة تحتاج إلى خادمين ليقوم أحديهما بأمور داخل البيت، والأخر بأمور خارج البيت من الرسالة وغيرها، وعن أبي يوسف رحمه الله في رواية أخرى أن المرأة إذا كانت بنت زفت إلى زوجها مع خدم كثير استحقت نفقة الخدم كلها على الزوج، فإن قال الزوج لامرأته: لا أنفق على أحد من خدمك، ولكن أعطي خادمًا من استخدمك فأبت المرأة لم يكن للزوج ذلك ويخير على نفقة خادم واحد من خدم المرأة لأن المرأة عسى لايتهيأ لها الاستخدام من خدم الزوج قال: وإن لم يكن للمرأة خادم لا تفرض نفقة الخادم على الزوج في ظاهر الرواية عن أصحابنا الثلاثة رحهمهم الله لأن استحقاقها نفقة الخادم باعتبار ملك الخادم فإذا لم يكن لها خادم كيف تستوجب نفقة الخادم وهو نظر القاضي إذا لم يكن له خادم لا تستحق كفاية الخادم من مال بيت المال كذا هذا الذي ذكرنا كله إذا كان الزوج موسرًا فإذا كان معسرًا لم يفرض عليه نفقة الخادم في رواية الحسن عن أبي حنيفة رحمه الله وإن كان لها خادم، وقال محمد رحمه الله: يفرض إذا كان لها خادم.
وجه قول محمد رحمه الله: أنه إذا كان لها خادم وهذه المرأة لم تكتف بخدمة نفسها، فيجب على الزوج نفقة خادمها كما في حالة اليسار.
وجه رواية الحسن عن أبي حنيفة رحمه الله: أن المرأة قد تكتفي بخدمة نفسها، واستعمال الخادم لزيادة الترفيه، وذلك معتبر في حالة اليسار دون حالة العسار؛ لأن المعيشين يلزمه أدنى الكتابات ولا يلزمه الزيادة على ذلك.
ثم اختلف مشايخنا في الخادم إن..... خادم المرأة تستحق المرأة النفقة على (زوجها)، منهم من قال: المملوكة لها حتى لو كانت حرة أو لم يكن لها مملوكة لا تستحق، ومنهم من قال: كل من يخدمها حرّةً كانت أو مملوكةً لها أو لغيره تستحق النفقة.
قال: ولا تقدّر نفقة الخادم بالدراهم على ما ذكرنا في نفقة المرأة بل يفرض لها ما يكفيها بالمعروف، ولكن لا تبلغ نفقة خادمها نفقتها لأن الخادم تبعٌ للمرأة فتنقص نفقة الخادم عن نفقتها حتى يظهر مؤنتها على الخادم.
قال: فإن كان للمرأة مماليك كثيرة حتى وجب على الزوج نفقة خادم واحد عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله فقالت المرأة للزوج: أنفق عليهم من مهري ففعل، فقالت هي: لا، أحتسب من مهري لأنك استخدمتهم.
قال في (فتاوى أبي الليث) رحمه الله: ما أنفق عليهم بالمعروف فهو محسوب عنه؛ لأنه أدنى ما وجب على المرأة بأمر المرأة للمرأة على الزوج المهر، فبقدر ما أنفق عليهم بالمعروف يكون محسوبًا عليه.
قال في (الكتاب): وفي كل موضع يفرض القاضي نفقة الخادم على الزوج، يفرض الكسوة للخادم أيضًا، والكسوة للخادم على المعسرة في الشتاء قميصان وإزارًا..... كأرخص ما يكون. وفي الصيف قميص مثل ذلك وإزار. وعلى الموسر في الشتاء: قميص قطني وإزار..... كأرخص ما يكون وفي الصيف قميص مثل ذلك وإزار فقد أوجب لها في الشتاء من الكسوة أكثر مما أوجب في الصيف، وإنما فعل كذلك كما قلنا في المرأة ثم لم يفرض لخادمها الخمار.
وقد ذكرنا في كسوة المرأة الخمار، وإنما كان هكذا؛ لأن الحاجة إلى الخمار ليستر الرأس، ورأس المرأة عورة، أما رأس الخادمة ليس بعورة، وفرض لها الإزار؛ لأن الخادمة تحتاج إلى الخروج لتهيء أمور خارج البيت، فتحتاج إلى الإزار، وقد ذكرنا اختلاف المشايخ في إزار المرأة.
قال في (الكتاب): ولخادم المرأة المكعب والخف بحسب ما يكفيها، وقد فرض للخادم المكعب والخف ولم يفرض للمرأة ذلك، لأنه لا حاجة للمرأة إلى ذلك، فإنها لا تحتاج إلى الخروج والتزور، والخادم يحتاج خادم.
قال مشايخنا رحمهم الله: وما ذكر محمد رحمه الله في (الكتاب): من بيان الخادم فهو بناءً على عاداتهم، وذلك يختلف باختلاف الأمكنة في شدة الحرّ والبرد باختلاف العادات في كل وقت. فعلى القاضي اعتبار الكفاية في كسوة الخادم، وكسوة المرأة لما ذكرنا في النفقة.

.النوع الخامس في الخصومة في نفقة الأزمنة الماضية:

قال: وإذا خاصمت المرأة زوجها في نفقة مضى من الزمان قبل أن يفرض القاضي لها النفقة وقبل أن يتراضيا على شيء، فإن القاضي لا يقضي لها بنفقة مضى عندنا، وعند الشافعي رحمه الله: يقضِ، وأجمعوا أن بعد فرض القاضي لها النفقة أو بعد تراضيهما على شيء نفقة كل شهر لو غاب الزوج عنها شهرًا أو حُبس، أو كان حاضرًا وامتنع من الإنفاق، وقد استدانت على الزوج أو أكلت من مال نفسها كان لها أن تأخذ (من) الزوج بنفقة ما مضى.
وأصل المسألة: أن نفقة الزوجات تصير دينًا بقضاء القاضي أو بتراضيهما على شيء معلوم لكل شهر بالإنفاق أما قبل قضاء القاضي وقبل تراضيهما لا يصير دينًا عليه عندنا. وعندالشافعي رحمه الله يصير دينًا.
وجه قول الشافعي رحمه الله: أن النفقة عوض عن الاحتباس في بيت الزوج والمنفعة تعود إلى الزوج، بدليل أنه إذا فات الاحتباس بأن تسترت لا تستحق النفقة، والأعواض تصير دينًا من غير قضاء ولا رضاء متى دخل سببه كما في الأجرة والثمن.
وإنا نقول: بأنّ النفقة عوض في وجه صلة من وجه؛ لأن النفقة بأداء الاحتباس، وفي الاحتباس: إن كان حق الزوج من حيث الاستمتاع وقضاء الشهوة منها وإصلاح أمر المعيشة ففيه حق التبرع من حيث يحصل الولد وصيانة كل واحد منهما عن الزنا من حيث إن الاحتباس حق الزوج إن أمكن جعل النفقة عوضًا عنه، فمن حيث إنه حق الشرع...... حق الشرع ملحقة على كل إنسان لا يصلح أن يكون عوضًا عنه، فكان عوضًا من وجه صلة من وجه، فمن حيث إنها صلة لا تصير دينًا عن غير قضاء ولا رضاء، كنفقة الأقارب، ومن حيث إنها عوض تصير دينًا إذا وجد القضاء أو التراضي عملًا بالدليلين بقدر الإمكان.
وكذلك لو استدانت المرأة على زوجها نفقة مثلها قبل فرض القاضي وقبل التراضي منهما على شيء فإنها لا ترجع بذلك على الزوج؛ لأنها لو رجعت إما أن ترجع بحكم أنها صارت مستدينة على الزوج، ولا وجه إلى ذلك؛ لأنه ليس لها ولاية إيجاب الدين على الزوج. وإما أن ترجع بحكم أن نفقتها صارت دينًا في ذمته، ولا وجه إليه أيضًا؛ لما ذكرنا أن نفقة الزوجة لا تصير دينًا إلا بقضاء القاضي أو التراضي ولم يوجد شيء من تلك النفقة في الطلاق. وإن هذا الجواب قول أبي حنيفة الآخر رحمه الله، وأما على قوله الأول: كان لها أن ترجع بنفقة مثلها على الزوج، فكان على قول أبي حنيفة الأول رحمه الله نفقة الزوجة تصير دينًا على الزوج قبل قضاء القاضي وقبل التراضي منهما، كما هو قول الشافعي رحمه الله.
قال: وإذا فرض القاضي لها على الزوج كل شيء......، أو تراضيا على نفقة كل شهر فمضت أشهر ولم يعطها شيئًا من النفقة وقد كانت استدانت فأنفقت من مال نفسها ثم بان الزوج أو ماتت المرأة سقط ذلك كله عندنا، وعند الشافعي رحمه الله لا يسقط بناءً على أن النفقة عندنا تستحق استحقاق الصلات من وجه الصلات فتسقط بالموت قبل القبض، وعند الشافعي رحمه الله: تستحق استحقاق العوض من كل وجه، والعوض لا يسقط بالموت قبل القبض، وشبه هذا في (الكتاب) لمن وجبت عليه الحرمة ثم مات، وهناك لا تستوفي الحرمة من تركته كذا هاهنا.
وكذلك لو طلقها الزوج في هذا الوجه يسقط ما اجتمع عليه من النفقات بعد فرض القاضي، كذا ذكر عن القاضي الإمام أبي الحسن علي بن الحسن بن الخضر النسفي رحمه الله، وكان يقول: وجدنا رواية هذه المسألة في كتاب الطلاق.
وذكر في (فتاوى أبي الليث) رحمه الله: إذا وقعت المخاصمة بين الزوجين في أمر النفقة فيو سطان الزوج وأعطاها شيئًا ثم طلقها الزوج ليس لها استرداد ما تطوع به، وشبهه بالذمي إذا اجتمع عليه جراح رأسه ثم أسلم يسقط ما كان اجتمع عليه.
ووجه التشبيه به: أن الذمي إنما كان يوجد منه جراح الرأس لإصراره على الدين الباطل وقد زال ذلك المعنى بالإسلام فتسقط الحرية كذا هاهنا المرأة تستحق النفقة بالوصلة التي كانت بينهما، وتلك الوصلة قد انقطعت بالطلاق، هذا الذي ذكرنا إذا فرض لها القاضي النفقة ولم يأمرها بالاستدانة.
فأما إذا أمرها بالاستدانة على الزوج فاستدانت ثم مات أحدهما لا يبطل ذلك. هكذا ذكر الحاكم الشهيد رحمه الله في (المختصر) وذكر الخصاف رحمه الله: أنه يبطل أيضًا، والصحيح ما ذكر في (المختصر): لأن استدانتها بأمر القاضي وللقاضي ولاية عليهما بمنزلة استدانة الزوج بنفسه ولو أن الزوج استدان بنفسه لا يسقط ذلك الدين بموت أحدهما كذا هاهنا، وكذلك في مسألة الطلاق يجب أن يكون الجواب هكذا.
ومما يتصل بهذا النوع:
ما ذكر محمد رحمه الله في (الكتاب): لو عجل الزوج لها نفقة مدّة ثم مات أحدهما قبل مضي الموت لم يرجع عليها ولا في تركتها في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله. وقال محمد رحمه الله: يدفع عنها بحصة ما مضى ويجب رد الباقي إن كان قائمًا، وقيمة الباقي إن كان مستهلكًا.
وجه قول محمد رحمه الله: أنها أحدثت ذلك من مال الزوج لمقصود، ولم يحصل ذلك المقصود له، وكان له أن يستردها منها كما لو عجل لها نفقة لزوجها فماتت قبل أن يتزوجها. ولأبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله: أنها صلةٌ من وجهٍ على ما ذكرنا، وحق الاستراد في الصلات ينقطع بالموت، كالرجوع في الهبة. وروي عن محمد رحمه الله: أنها إذا قبضت نفقتها شهرًا فما دونه لم يرجع عليها بشيء.
وكذلك إذا قبضت نفقة أشهرٍ كثيرةٍ فمات أحدهما قبل مضي المدة والباقي من المدة شهرًا أو دونه لا يرجع عليها ولا في تركتها بشيء؛ لأن الشهر وما دونه في حكم التيسير فصار كنفقة الحال، وهذا استحسان قال محمد رحمه الله: وإن كان أكثر من الشهر فعلى ما بيّنّا من الاختلاف والله أعلم بالصواب.

.النوع السادس في الاختلاف الواقع بين الزوجين في دعوى اليسار والعسار:

قال في (الكتاب): روي أن امرأة اختصمت مع زوجها في نفقتها، فقال الزوج: ليس عندي نفقة. فقال لها أبو يوسف رحمه الله: خذي عمامته وانفقيها على نفسك قال الفقيه أبو يوسف رحمه الله: يحتمل أن أبا يوسف رحمه الله عرف أن له عمامة أخرى، وأما لو لم يكن له عمامة أخرى لا يجب عليه أن يبيع هذه العمامة في النفقة ولا في سائر الديون وفي (شرح أدب القاضي) للخصاف إنه لا يجب عليه أن يبيع مسكنه وخادمه لأن هذا من أصول حوائجه وحاجته مقدمة على سائر الديون ويبيع ما سوى ذلك.
ومن المشايخ من قال: لا يجب عليه بيع الإزارات به حاجة إلى الإزار وهي الحاجة إلى ستر العورة. وأما ما سوى الإزار يجب عليه أن يبيع الإزار إذا كان موضع برد، فحينئذٍ يترك لنفسه ما يدفع ضرر البرد، ويبيع ما سوى ذلك.
ومن المشايخ من قال: يترك لنفسه دستًا من الثياب ويبيع ما سوى ذلك. وإليه مال شمس الأئمة الحلواني رحمه الله. ومن المشايخ من قال: يترك لنفسه دستين ويبيع ما سوى ذلك وإليه مال شمس الأئمة السرخسي رحمه الله، وهذا لأن الحاجة ماسّة إلى دستين فإنه إذا غسل أحدهما يحتاج إلى الآخر، وأما إذا كان له ثياب خشنة يمكنه الاكتفاء بما دون ذلك يبيع ثيابه ويشتري بالبعض ثوبًا يكفيه وبالباقي يقضي الديون وينفق على زوجته به ورد الأثر هكذا ذكر في (شرح أدب القاضي): للخصاف في باب الملازمة.
قال محمد رحمه الله في (الكتاب): وإذا فرض القاضي نفقة المرأة على الزوج فامتنع الزوج من الإنفاق فقال: أنا معسرٌ، وقالت: لا بل هو موسرٌ وطلبت المرأة من القاضي أن يحبسه بالنفقة لا يحبسه القاضي أول مرة؛ لأن الحبس عقوبة لا يستوجبها إلا الظالم ولم يظهر ظلمه في أول مرة فلا يحبسه، ولكن يأمره بالإنفاق ويخبره أنه يحبسه إن عادت. فإذا عادت إليه مرتين أو ثلاثة حبسه لظهور ظلمه.
وإذا حبسه لا تسقط عنه النفقة ويؤمر بالاستدانة حتى يرجع على الزوج، إذا ظهر له قال: وإنما كان هكذا؛ لأن هذا حبسٌ بحق وجد، وحد المنع من جهته فتلزمه النفقة لما يستقبل وهو في الحبس. فإن قال الزوج للقاضي: احبسها معي فإن لي موضعًا في الحبس خالصًا فالقاضي لا يحبسها معه، ولكنها تصير في منزل الزوج. ويحبس الزوج لها، ثم إذا حبسه القاضي إن علم أنه محتاج خلى سبيله؛ لأنه مستحق للنظر إلى ميسرة بالنص.
قال: وينبغي للقاضي إذا حبس الرجل شهرين أو ثلاثة في نفقةٍ أو دينٍ أن يسأل عنه. وفي بعض المواضع ذكر أربعة أشهر. وفي رواية الحسن عن أبي حنيفة رحمه الله أشهر.
والحاصل: أنه ليس فيه تقدير لازم؛ لأن الحبس للإنزجار وذلك مما تختلف فيه أحوال الناس فيكون ذلك مفوضًا إلى رأي القاضي، فإن وقع في رأي القاضي أن هذا الرجل يضجر بهذه المدة ويظهِر المال إن كان له مال، سأل عنه بعد ذلك، وذكر هشام في (نوادره) عن محمد رحمه الله أن للقاضي أن يسأله عن ماله ولم يعتبر في ذلك مدة، فإذا سأل عنه فقامت البينة على عسرته أخرجه القاضي من الحبس ولا يحتاج إلى لفظة الشهادة بل إذا أخبر بذلك يكفي، قال الشيخ الإمام خواهر زاده رحمه الله: هذا السؤال من القاضي بعد حبسه احتياط وليس بواجب؛ لأن الشهادة بالفقر شهادة بالنفي والشهادة بالنفي وليست بحجة فكان للقاضي أن لا يسأل ويعمل برأيه ولكن لو سأل مع هذا كان أحوط وأنفى للتهمه عن القاضي، ثم إذا أخبر أنه معسر وخلّى سبيله لا يحول بين الطالب وبين ملازمته عندنا لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه قال: «لصاحب الحق يد ولسان» والمراد باليد الملازمة فإن أقام المحبوس بينة على عسرته وأقام صاحب الحق بينة على يساره أخذ ببنية صاحب الحق؛ لأن بينته ثبتت أمرًا عارضًا ليس بثابت، وبينة المحبوس ثبتت أمرًا أصليًا وهو الفقر فكانت بنية صاحب الحق أكثر ثبتت إثباتًا فكانت أولى بالقبول.
وإن قامت البينة على عسرته قبل الحبس هل يقبل القاضي ذلك؟ فيه روايتان.
في إحدى الروايتين تقبل وبه كان يفتي الشيخ الإمام الجليل أبي بكر محمد بن الفضل البخاري رحمه الله.
وفي رواية أخرى لا تقبل وبه كان يفتي عامة المشايخ وهو الصحيح.
قال وإن كان المحبوس....... أدام القاضي حبسه حتى يودي النفقه والدين فبعد ذلك إن كان ماله من جنس النفقة والدين؛ أدى القاضي ذلك من ماله، وإن كان ماله عروضًا وعقارًا فالقاضي لا يبيع شيئًا من ذلك لا في النفقة ولا في الدين إلا برضاه وهذا قول أبي حنيفة رحمه الله، وعلى قولهما يبيع عروضه في النفقة والدين رواية واحدة.
ويبيع العقار أيضًا في أظهر الروايتين عنهما ذكر قولهما في العروض في ظاهر الرواية وفي العقار وجميع الأموال في (أدب القاضي) للخصاف في باب الحبس في الدين، ثم إذا ثبت للقاضي ولاية البيع عندهما يبدأ بالعروض، فإذا لم يف ثمن العروض بالدين والنفقة يشتغل حينئذ ببيع العقار وترتيب الأموال في قضاء الدين وذكره في (الجامع) على سبيل الاستقصاء.
ثم قال خواهر زاده رحمه الله في (شرحه): فيما ذكر في ابتداء هذه المسألة إشارة إلى أن قول الزوج أنه عاجز لكان لا يحبسه، لأن القول قول المرأة في أنه قادر على الإنفاق، فإنه لو كان القول قول الزوج أنه عاجز لكان يحبسه القاضي وإن عادت إليه مرارًا، وذكر في كتاب الحوالة والكفالة أنه إذا أوجب المهر على إنسان ولم يوجب دواعي أنه معسر وادعت المرأة أنه قادر فالقول قول المرأة حتى يحبسه القاضي. إذا عادت به إليه مرتين أو ثلاث فقد سوى في (ظاهر الرواية) بين النفقة والمهر والقرض وثمن البيع.
وذكر الخصاف في (أدب القاضي) عن أصحابنا رحمهم الله: أن في النفقة والمهر القول قول الزوج حتى لا يحبس الزوج ما لم تثبت المرأة يساره فصار في النفقة والمهر روايتان. فعلى ظاهر الرواية والمهر وعلى رواية الخصاف لم يجعل هكذا ذكر شيخ الإسلام رحمه الله.
وذكر محمد رحمه الله في (الأصل): إذا وقع الاختلاف بين المرأة والزوج، فقال الزوج: أنا معسر وعليّ نفقة المعسرين، وقالت المرأة: لا بل أنت موسر وعليك نفقة الموسرين فالقول قول الزوج مع يمينه وعلى المرأة البينة؛ لأن الفقر في الناس أصل، فالزوج يتمسك بما هو الأصل فيكون القول قوله مع يمينه.
وهكذا ذكر شيخ الإسلام رحمه الله في (شرحه) ولم يذكر أن هذه المسألة على الروايتين، وإنما كان هكذا؛ لأن الإقدام على النكاح يمكن أن يجعل إقرارًا بالقدرة على أصل النفقة، أما لا يمكن أن يُجعل إقرارًا بالقدرة على نفقة الموسرين فلهذا كانت هذه المسألة على رواية واحدة.
ومن المتأخرين...... في المسألة الثانية يحكم فيه وبه. وإن كان عليه دين للأغنياء لم يقبل قوله أنه معسر، لأن الدين علامة على غناه وما ظهر من العلامة يجعل حكمًا عند انعدام دليل قوله، قال الله تعالى: {ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة} [التوبة: 46] وقال الله تعالى: في قصة يوسف عليه السلام {إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين} [يوسف: 26] ففي هذا دليل على أن ما ظهر من العلامة يُجعل حكمًا فيجعل الدين حكمًا إلا في النفقات، فإنهم يتكلفون في الدين مع العسرة لتعطيهم الناس، ولا يُجعل الدين في حقهم حكمًا، لظهور العادة بخلافه.
فعلى هذا القول إن كان على الزوج دين للفقراء (قالت) المرأة إن هذا غرر به وكان عليه دين الأغنياء قبل أن يحضر مجلس القاضي فإن القاضي يسألها البينة، فإن أقامت البينة على ذلك يسمع القاضي ويجعل القول قولها، وإن لم يمكنها إقامة البينة للحال (يحكم) بحكم الله تعالى في الحال ويجعل القول قول الزوج.
ثم فرع على المسألة الثانية فقال على (ظاهر الرواية) إذا لم يكن للمرأة بينة على يساره فسألت القاضي أن يسأل عن يسار الزوج في السر وليس على القاضي ذلك؛ لأن القاضي وجد دليلًا آخر، فإن يعتمد لفصل الحكم وهو التمسك بالأصل فليس عليه أن يطلب دليلًا آخر. فإن سأل فأتاه عنه أنه موسر لا يفرض القاضي عليه نفقة الموسرين، إلا أن يخبره رجلان عدلان أنه موسر ويكونان بمنزلة الشاهدان يشهدان على يساره، ولا يحتاج لفظة الشهادة لأن في النفقة حق الله تعالى وحق المرأة؛ لأنها وجبت بالاحتباس وفي الاحتباس حق الله تعالى وحق الزوج على ما ذكرنا فما وجب بمقابلة الاحتباس يكون حق الله تعالى وحق الله (وحق) المرأة وحق الله تعالى يثبت بقول الواحد شهد بذلك أو أخبر وحق العبد لا يثبت إلا بقول اثنين بلفظ الشهادة، فإذا كان بين حق الله تعالى وحق العبد علمنا بها وشرطنا العدد من حيث إنه حق المرأة، ولم تشترط لفظة الشهادة من حيث إنه حق الله تعالى عدلًا بالدليلين بقدر الإمكان. وإن قالا: بلغنا أنه موسر وسمعنا أنه موسر لا يثبت اليسار بذلك لأنهما ما قالا علمنا وإنما: قالا: بلغنا أو سمعنا وقد يبلُغ الإنسان الباطل كما يبلغه الحق، وكذلك يسمع الكذب كما يسمع الصدق فلا يثبت اليسار بمثل هذا الخبر.
هذا الذي ذكرنا إذا لم يكن حال الزوج في المعسره معلومًا للقاضي أما إذا كان معلومًا للقاضي فالقاضي لا يحبسه لأن الحبس جزء الظلم ولم يظهر الظلم هاهنا ولا نفرق بينهما أيضًا عندنا خلافًا للشافعي رحمه الله والمسألة معروفة.
ثم إذا لم يفرق القاضي بينهما عندنا ولم يحبس الزوج فأدى بفعل يأمر المرأة بالاستدانة على الزوج حتى يرجع عليه إذا أيسر.
فرق بين هذا وبين سائر الديون، فإن في سائر الديون من عليه الدين إذا عجز عن قضاء الدين لا يؤمر صاحب الدين بالاستدانة عليه، وهاهنا بعد ما فرض لها النفقة يؤمر بالاستدانة على الزوج.
ووجه الفرق بينهما: هو أن المرأة لو لم تؤمر بالاستدانة على الزوج بعد فرض القاضي عسى تموت هي أو بموت الزوج فتسقط نفقتها على ما مر. وإذا اسقط لا يعيد القضاء بالنفقة لها شيئًا فتؤمر هي بالاستدانة حتى لا يبطل حقها بموت أحدهما فكان الأمر بالاستدانة من القاضي بعد فرض النفقة لها ليأخذ حقها في النفقة، وهذا المعنى معدوم في سائر الديون فلهذا افترقا.
وأما إذا أمرها القاضي بالاستدانة على الزوج يرجع بذلك على الزوج إذا أيسر؛ لأن استدانتها بأمر القاضي على الزوج وللقاضي ولاية عليهما كاملة كاستدانتها بأمر الزوج. فقد ذكر محمد رحمه الله الاستدانة على الزوج ولم يبين تفسيرها. وذكر في (أدب القاضي) للخصاف أن تفسير الاستدانة على الزوج الشراء بالنسبة ليقتضي الثمن من مال الزوج.
قال مشايخنا رحمهم الله: وليس فائدة الأمر بالاستدانة بعد فرض القاضي إثبات حق الرجوع للمرأة على الزوج، لأن بعد فرض القاضي صارت النفقة دينًا للمرأة على الزوج وثبت لها حق الرجوع بالنفقة على الزوج سواء أكلت من مال نفسها أو استدانت بأمر القاضي أو بغير أمر القاضي، ولكن فائدة الأمر بالاستدانة أنها إذا استدانة على الزوج بأمر القاضي كان لرب الدين أن يرجع بذلك على الزوج ولكن يرجع رب الدين على المرأة ثم المرأة ترجع بما فرض لها القاضي على الزوج؛ وهذا لأن الاستدانة على الزوج إيجاب الدين في ذمة الزوج، فإذا حصل بأمر القاضي فقد حصل ممن له ولاية عامة على الزوج.
أما إذا حصل بأمر القاضي فقد حصل إيجاب الدين في ذمة الزوج من المرأة وليس لها على الزوج هذه الولاية وذكر في (تجريد القدوري) أن فائدة الأمر بالاستدانة أن يجعل المرأة الغريم على الزوج وإن لم يرض الزوج بذلك وبدون الأمر بالاستدانة ليس لها ذلك إلا برضى الزوج.
وذكر الحافظ الشهيد في (المختصر): أن فائدة الأمر بالاستدانة أنه يرجع بذلك على الزوج، وفي ما له وبدون الأمر بالاستدانة لا يرجع على ما مر قبل هذا.
ومما يتصل بهذا النوع:
إذا فرضت النفقة للمرأة على الزوج ولها على الزوج بقدر المهر فأعطاهما الزوج شيئًا ثم اختلفا فقال الزوج: هو من المهر، وقالت المرأة: لا بل هو من النفقة، فالقول قول الزوج لأن التمليك وجد من جهة الزوج والقول في ثبات جهة التمليك، قول المملك وكذلك هذا في جميع قضاء الديون إذا كان من وجوه مختلفة.
قال شيخ الإسلام خواهر زاده رحمه الله: هذا إذا كان المؤدي شيئًا يعطى في المهر عادة، وأما إذا كان شيئًا لا يعطى في المهر عادة كقصعة ثريد ورغيف وطبق فاكهة وما أشبهه ذلك لا يقبل قول الزوج؛ لأن الظاهر يكذبه وكذلك إذا بعث إليها دراهم، فقال: هي نفقة، وقالت المرأة: هدية. فالقول قول الزوج لما بينا.
وكذلك إذا بعث إليها ثوبًا وقالت هو: هدية، وقال الزوج: هو من الكسوة. فالقول قول الزوج مع يمينه لما قلنا، إلا أن تقيم المرأة البينة على ما ادعت، وإن أقاما البينة فالبينة بينة الزوج؛ لأن البينتين استويتا في بيان جهة الملك للمرأة. إلا أن بينة الزوج ترجحت بزيادة الإثبات لأن بينة الزوج مع إثبات جهة الملك أثبتت المرأة للزوج عما وجب عليه من النفقة والكسوة وبينة المرأة تنفي ذلك فكانت بينة الزوج أكثر إثباتًا، فكانت أولى بالقول. وكذلك إن أقام كل واحد منهما بينة على إقرار الآخر بما ادعى، لأن الزوج هو المدعي للقضاء فيما عليه من الحق فمعنى الإثبات في بينة الزوج أكثر فكانت أولى بالقول، وكذلك لو اصطلحا على أن يعطها الزوج كل شهر خمسة عشر درهم والزوج يدفع على فتوى أنها مهرها مضى على ذلك زمان، ثم اختلفا فالقول قول الزوج لما قلنا.
وقال الفقيه أبو الليث رحمه الله: ومتى جعلنا القول قول الزوج أن المدفوع من المهر كان للمرأة أن تأخذ من الزوج قدر ما فرض لها القاضي وقدر ما اصطلحا عليه من وقت الغرض والاصطلاح إلى هذا الوقت الذي اختلفا فيه؛ لأن باصطلاحهما وبقضاء القاضي صارت النفقة دينًا في الذمة فكان لها أن تطالبه بذلك الدين. قال: وإذا وقع الاختلاف بين المرأة والزوج فيما وقع الصلح عليه أو فيما وقع الحكم من النفقة في الحبس أو القدر فالقول قول الزوج والبينة بينة المرأة لأنها مدعية الزيادة فيحتاج إلى إثباتها بالبينة والزوج مثلها لذلك فيكون القول قوله مع يمينه بعد هذا ينظر، إن كان ما أقر به الزوج وحلف عليه......... وأن لا يكفها يبلغ الكفاية في..... كما لو ثبت الصلح أو الحكم بذلك القدر تابعًا..... وقد مر هذا من قبل.
قال: وإذا وقع الاختلاف بين الزوج والمرأة فيما مضى من المدة من وقت الفرض أو من وقت الصلح فالقول قول الزوج والبينة بينة المرأة؛ لأنها تدعي زيادة والزوج ينكر فيكون القول قوله مع يمينه.
قال وإذا ادعى الزوج الإنفاق وأنكرت المرأة فالقول قولها مع اليمين لأنها أنكرت وصول حقها إليها فيكون القول قولها مع اليمين كما في سائر الديون والله أعلم بالصواب.

.النوع السابع في الكفاية بالنفقة:

قال: ولا يوجد من الزوج كفيل بالنفقة، ومعناه أن الزوج لا يجبر على إعطاء الكفيل بالنفقة لا قبل ضرورة النفقة دينًا على الزوج ولا بعد ذلك. هكذا ذكر الحاكم في (المختصر) وذكر الخصاف في (أدب القاضي): أن المرأة إذا أخذت زوجها بنفقتها وهو يريد أن يغيب، فقالت أقم لي كفيلًا بنفقتي شهرًا فشهرًا، على قول أبي حنيفة رحمه الله: لا يجبر على اعطاء الكفيل، وعلى قول أبي يوسف رحمه الله: يجبر على إعطاء الكفيل نفقة شهر واحد. وذكر الخصاف في النفقات أن على قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله: يجبر على إعطاء الكفيل نفقة شهر واحد ولم يذكر الخصاف في (المختصر) بل ذكره مطلقًا أنه لا يجبر وإنما لا يجبر لأن إعطاء الكفيل تبرع والمرأة لا تجبر على التبرعات وصار كالدين المؤجل إذا أراد صاحب الدين يأخذ منه كفيلًا قبل حلول الأجل مخافة أن يغيب عنه عند حلول الأجل فإنه لا يجبر على ذلك. كذا هاهنا قال شمس الأئمة السرخسي رحمه الله في شرح كتاب النكاح.
وقد روي عن أبي يوسف رحمه الله أنه قال: إذا قالت المرأة إنه يريد أن يغيب ولا يترك لي نفقة أمره القاضي أن يعجل لها نفقة شهر أو يعطيها كفيلًا بنفقة شهر، وذكر الخصاف عن أبي يوسف رحمه الله أيضًا: أن القاضي يسأل الزوج أنك كم تغيب؟ فإن قال: شهرًا يأخذ منه كفيلًا بنفقة شهرين، وهكذا قال: وإن أعطاها الزوج كفيلًا بالنفقة كل شهر عشرة، قال أبو حنيفة رحمه الله: يقع على شهر واحد، وقال أبو يوسف رحمه الله: يقع ذلك على الأبد ما داما زوجين هكذا ذكر الخصاف في النفقات وهكذا ذكر شمس الأئمة السرخسي رحمه الله في شرح نكاحه.
وذكر الحاكم رحمه الله في (المختصر): أن الكفالة تنصرف إلى شهر واحد من غير ذكر خلاف فيحتمل أن يكون المذكور في (المختصر) قول أبي حنيفة رحمه الله.
وجه قول أبي يوسف رحمه الله: أن المطلق فيما يحتمل التأبيد ينصرف إلى الأبد فكأنه نص عليه، ولو نص على الأول فقال: كفلت لك بنفقة كل شهر عشرة أبدًا أو ما دمتما زوجين تقع على الأبد ما داما زوجين. وتصح الكفالة كذا هاهنا.
وجه قول أبي حنيفة رحمه الله: أن العمل بكلمة كل متعذر في الكفالة لأن كلمة متى أضيفت إلى جملة من الأعداد قائمًا يتناول كل عدد من تلك الجملة على سبيل الانفراد.
ألا ترى أنه لو قال: كل امرأة أتزوجها فهي طالق يجب بنكاح كل امرأة تزوجها كأنه عقد اليمين عليها لا غير، ولا يشترط نكاح الجماعة لوقوع الحنث كان يتناول كل عدد من الجملة على سبيل الانفراد لو صححنا الكفالة في الشهر الثاني والثالث فقد تناولت الكفالة الشهر الثاني والثالث كما تناولت الشهر الأول لا يبنيان بلفظ واحد عقدين مختلفين، أحدهما مرسل والآخر مضاف وبين المرسل والمضاف تصادق ينافي، وإذا تعذر العمل بكلمة كل..... كلفة كل فصار كأنه قال: كفلت بنفقة شهر.
ونظيره الإجارة إذا أجر داره كل شهر بعشرة تنصرف الإجارة إلى شهر واحد كأنه قال: أجرتك شهرًا ولهذا كان لصاحب الدار أن يخرجه متى حازا بين الشهر الثاني. كذا هاهنا: بخلاف ما لو قال: كفلت لك بنفقة كل شهر عشرة أبدًا ما عاشت كان الضمان صحيحًا كما قال؛ لأن هناك المذكور وقت واحد وهو العمر فيكون الثابت عقدًا واحدًا فصحت الكفالة بنفقة جميع العمر فكان ذكر العمر وإنه اسم لوقت واحد بمنزلة، ذكر السنه مما أشبه ذلك.
ولو قال كفلت كل بنفقة...... عشرة أشهر صحت الكفالة وانصرفت إلى الوقت المذكور لكون الوقت واحد، كذا هاهنا.
أما في قوله كل شهر المذكورة أوقات مختلفة فكان الثبوت عقودًا مختلفة، وإن كفل لها بنفقتها على زوجها أبدًا أو ما داما زوجين، فإن ذلك جائز وأراد بالأبد ما داما على النكاح؛ لأن لفظة الأبد فيما بين الزوجين تقع على أنهما على النكاح حتى لو مات أحدهما أو انقطع النكاح بينهما والنفقة لها على النكاح الكفيل. هكذا ذكر في (أدب القاضي) للخصاف وذكر الخصاف في نفقاته أن هذا يتناول زمان العدد أيضًا وهذا لأنه كفيل بنفقتها ما دام النكاح باقيًا والنكاح هاهنا باقي من وجه وإنما صحت الكفالة في هذه المسألة إلى وقت إنهاء النكاح وكل وجه لأن الوقت هاهنا واحد فكان العقد واحد.
ثم فرق بين هذه المسألة، وبينما إذا كفل لها بنفقة ولدها أبدًا ومطلقًا كان باطلًا وكان الوقت واحدًا لأن نفقة الأولاد لا تجب على التأبيد ما دام حيًا، فإنه أوسع تسقط النفقة عن الأب وكذلك إذا أيسر أما نفقة المرأة تجب على التأبيد ما دام النكاح موسرة كانت أو معسرة فلهذا افترقا.
وذكر في (الفتاوى): في امرأة قالت لزوجها: أنت بريء من نفقتي أبدًا ما كنت أمرأتك لا يصح هذا الإبراء؛ لأن صحة الإبراء يعتمد الوجود أو قيام سبب الوجوب ولم يوجد شيء من ذلك هاهنا على ما يأتي في نوع الصلح عن النفقة إن شاء الله تعالى.
وبعدما فرض لها القاضي النفقة كل شهر أو قالت ذلك، إن قالت قبل أن يمضي زمان من وقت الفرض برئ من نفقة الشهر الأول لا غير ولو قال: بعدما مضى أشهر صحت البراءة لما مضى دون ما بقي واعتبره ما لا...... آخره انعدام الذي أخره سنة ومضى على ذلك بعض السنة صح الإبراء لما مضى دون ما بقي، وكذلك لو أخره كل شهر بكذا أو كل سنة بكذا ثم آبرأه عن الآخر صح للشهر الأول وللسنة الأولى كذا هاهنا والله أعلم بالصواب.

.النوع الثامن في الصلح عن النفقة:

قال: وإذا صالحت المرأة زوجها من نفقتها من ثلاثة دراهم من كل شهر فهو جائز وكان ينبغي أن لا يجوز لأن الصلح من نفقتها إبراء بعوض فيعتبر بالإبراء بغير العوض، وذلك لا يصح لما أن النفقة للحال ليست بواجبة وإنما تجب شيئًا فشيء.
والجواب: هذا إنما يستقيم إذ لو كان جواز الصلح عن النفقة بطريق المعاوضة وجواز هذا الصلح ليس بطريق المعاوضة إنما يكون بطريق أنه تقدير لنفقتها كل شهر بشيء معلوم وتقدير النفقة كل شهر بشيء معلوم جائز.
وهذا بخلاف الأجر أو إبراء المستأجر عن الأجر قبل استيفاء المنفعة حيث يجوز لأن هناك سبب الوجوب وهو العقد موجود فقام مقام حقيقة الوجوب في حق صحة الإبراء فكان إبراءً بعد الوجوب، أما هاهنا فسبب الوجوب النفقة في المستقبل وهو الاحتباس في المستقبل، وأنه غير موجود للحال ثم الأصل في جنس مسائل الصلح عن النفقة أن الصلح عن النفقة من الزوجين متى حصل شيء يجوز للقاضي أن يفرض على الزوج في نفقتها بحال يعتبر الصلح منها تقدير للنفقة ولا يعتبر معاوضة، سواء كان هذا الصلح قبل فرض القاضي النفقة وقبل تراضي الزوجين على شيء لكل شهر، أو كان هذا الصلح بعد فرض القاضي لها النفقة، أو بعد تراضيهما على شيء لكل شهر، وإن وقع الصلح على شيء لا يجوز للقاضي أن يفرض على الزوج في نفقتها بحال، كما لو وقع الصلح على عبد أو ثوب.
ينظر إن كان الصلح بينهما قبل قضاء القاضي لها بالنفقة، وقبل تراضيهما على شيء لكل شهر يعتبر الصلح منها تقدير للنفقة أيضًا، وإن كان الصلح بعد فرض القاضي لها النفقة أو بعد تراضيهما على شيء لكل شهر يعتبر هذا الصلح منها معاوضة.
وفائدة اعتبار التقدير أن تجوز الزيادة على ذلك والنقصان عنه، وفائدة اعتبار المعاوضة أن تجوز الزيادة على ذلك ولا يجوز النقصان عنه، وعلى هذا الأصل يخرج جنس هذه المسائل.
قال: وإذا صالحت المرأة زوجها على ثلاثة دراهم لكل شهر، فقالت المرأة: لا يكفيني بهذا القدر.
كان لها أن تخاصمه حتى يزيدها مقدار ما يكفيها إذا كان الزوج موسرًا، وإنما كان هكذا لأن صلحها لا يكون أقوى من قضاء القاضي، والقاضي لو قدر لها نفقتها في كل شهر مقدار ما لا يكفيها كان لها أن تطالبه بما لها.....، فهاهنا أولى.
قال: وإذا صالحت المرأة زوجها عن نفقة كل شهر على ثلاثة دراهم، ثم قال الزوج: لا أطيق ذلك فإنه لا يصدق في ذلك، لأنه التزم باختياره، وذلك دلالة على كونه قادرًا على أداء ما التزمه. فإذا قال: لا أطيق فقد ادعى خلاف ما كان ثابتًا فلا يصدق ويلزمه جميع ذلك.
قال في (الكتاب): إلا أن تبرئه عند القاضي يريد به إلا أن يتعرف عن حاله بالسؤال من الناس، فإذا أخبروه أنه لا يطيق ذلك فعفي عنه وأوجب على قدر طاقته.
ألا ترى أن في الابتداء لو علم القاضي أن الزوج لا يطيق هذا المقدار لا يفرض عليه ذلك المقدار، ويفرض بقدر طاقته، فإذا علم في الانتهاء رفع عنه الزيادة على قدر طاقته أيضًا، أو تبرئه المرأة بنفسها لأن النفقة حق المرأة فكان لها أن ترضى بدون حقها، أو يرخص السعر فيكفيها دون ذلك والقاضي يرفع عنه قدر الزيادة وهذا لما ذكرنا أن المعتبر في النفقة مقدار الكفاية، والكفاية داخلة بدون الزيادة فترفع عنه الزيادة.
قال: فإن لم يمض شيء من الشهر حتى صالحها من هذه الثلاثة الدراهم على شيء إن كان شيئًا يجوز للقاضي أن يفرض لها في نفقتها بحال، نحو ما إذا صالح من هذه الثلاثة دراهم على ثلاثة مخاتم دقيق بعينه أو بغير عينه يعتبر هذا الصلح تقديرًا للنفقة، فإن كان شيئًا لا يجوز للقاضي أن يفرض في نفقتها بحال يعتبر الصلح الثاني معاوضه، وأما اعتبار التقدير والمعاوضة قد ذكرنا قبل هذا.
قال محمد رحمه الله في (الكتاب): عقيب هذه المسألة ولا شبيه من الدراهم على ثلاث مخاتم دقيق يعتبر عينها لا يجوز الصلح.
والفرق: أن في سائر الديون والصلح منهما معاوضة لأن الدين كان واجبًا وقت الصلح فاعتبر الصلح معاوضة فكان هذا بيع دين بدين فلا يجوز إلا أن يدفع الدقيق في المجلس، فأما هاهنا قبل مضي الشهر، فالنفقة لا تعتبر دينًا فلم يكن الصلح الثاني معاوضة بل كان تقدير النفقة حتى لو مضى الشهر وصارت الثلاثة الدراهم دينًا، ثم صالحها على ثلاثة مخاتم دقيق بغير عينها، لا يجوز الصلح أيضًا لما قلنا.
قال: وإذا صالحت المرأة زوجها على ثلاث دراهم نفقة كل شهر، ثم إن الزوج أعطاها كفيلًا ببدل الصلح جاز، لأن الكفالة ببدل الصلح والصلح منهما تقديرًا للنفقة إن لم تكن واجبة للحال تجب في الثاني والكفارة بدين تجب في الثاني جائزة على ما عرف في موضعه وكذلك الصلح عن نفقة الأقارب على هذا لأن النفقة تستحق بالزوجية مرة وبالقرابة أخرى فكان الجواب في نفقة الأقارب كالجواب في نفقة الزوجة.
قال في الكتاب والذي ذكرنا من الجواب والصلح عن النفقة فكذلك في الصلح عن الكسوة لأن الكسوة للحاجة والمعتبر فيها الكفاية في النفقة.
قال: وإذا صالح الرجل امرأته من كسوتها على درع يهودي ويلحقه..... وحمار..... ولم يسم طوله وعرضه ورفعته جاز لأن الثوب غير حقها لأن حقها في المطعوم والملبوس وإنه يجب بدلًا عما ليس بمال وهو الاحتباس المستحق عليهما بسبب النكاح، والثوب إذ كان معلوم الجنس يجوز أن يجب دينًا في الذمة مجهول الوصف بدلًا عما ليس بمال كما في الخلع والنكاح.
قال وإذا صالح امرأته من نفقة سنة على ثوب دفعه إليها فهو جائز على ما ذكرنا، فإن استُحق الثوب بعد ذلك ينظر، إن وقع الصلح على الثوب بعد ما فرض القاضي لها النفقة أو بعدما اصطلحا على شيء بنفقة كل شهر ثم وقع الصلع عن ذلك على هذا الثوب فإنها ترجع بما فرض لها القاضي من النفقة وبما وقع الصلح عليه أول مرة، لأن النفقة صارت دينًا على الزوج بمضي المدة، فإذا أحدث ثوبًا بمقابلة النفقة صارت مشترية لهذا الثوب ما وجب لها على الزوج من المال وشراء الثوب مما ينفسخ باستحقاق الثوب وبالرد بالعيب فثبت لها الرجوع بثمنه وذلك ما فرض لها، وأما إذا وقع فاسدًا الصلح فإنها ترجع بقيمته أي بقيمة الثوب لأن ابتداء الصلح إذا وقع على الثوب فالثوب إنما ملك ما داما ليس بمال وهو الاحتياس المستحق عليها بعقد النكاح والثوب إذا ملك ما داما ليس بمال وهو الاحتباس المستحق عليها بعقد النكاح، والثوب إذا ملك ما داما ليس بمال فعقد الإستحقاق يثبت الرجوع بقيمة الثوب كما في النكاح والخلع.
وهو نظير ما ولو وقع الصلح عن نفقة المرأة على وصف وسط ولم يجعل له أجلًا أو جعل له أجلًا وإن كان قبل فرض القاضي وقبل اصطلاحها جاز؛ لأن النفقة غير واجبة في هذه الحالة فيكون الوصف بدلًا عن الاحتباس الذي ليس بمال، والحيوان يثبت دينًا في الذمة بدلًا عما ليس بمال حالًا ومؤجلًا، وإن كان هذا الصلح بعد فرض القاضي بعد اصطلاحهما لا يجوز لأن الحيوان هاهنا بدلٌ عن النفقة والنفقة مال والحيوان لا يجب دينًا في الذمة بدلًا عما هو مال.
قال وإذا كان للرجل امرأتان إحداهما حرة والأخرى أمة بوأها المولى بيتًا فصالحها عن النفقة وقد شرط للأمة أكثر مما شرط للحرة جاز لأن المعتبر في النفقة مقدار الكفاية وقد يكفي للحرة ما لا يكفي للأمة.

.فرع في الكتاب على مسألة الأمة:

فقال: إذا بوأها المولى بيتًا فكما يجوز صلح الأمة عن النفقة فكذا يجوز صلح مولى الأمة، وهذا لأن كل واحد منهما ذواحطٍ عن النفقة، أما الأمة فظاهر وأما المولى فلأن في النفقة إحياء مال المولى فكان كل واحد منهما ذوا حط عن النفقة، فإنهما صلح فإنما صلح عن حقه فيجوز بخلاف ما لو صالحت الأمة زوجها عن المهر، حيث لا يجوز لأن مهرها حق المولى من كل وجه وصلح الإنسان عن حق غيره من كل وجه لا يجوز بخلاف النفقة على ما مرّ. وإن كان المولى لم يبوءها بيتًا ولم يجز هذا الصلح وكان له أن يرجع عن ذلك؛ لأنها صالحت عما ليس بحق لها فإنه لا نفقة لها متى لم المولى بيتًا.
وكذلك إذا صالح الرجل امرأته عن نفقتها ونكاحها فاسد لا يجوز؛ لأنه صالحها عما ليس بحق لها، فإن النفقة لا تستحق بالنكاح الفاسد.
والحاصل: أن الصلح عن النفقة في كل موضع لا نفقة ثمة باطل.
قال: وإذا صالحت المرأة زوجها عن نفقتها كل شهر على أكثر من نفقتها زيادة لا يتغابن الناس في مثله، فإن الزوج تلزمه نفقة مثلها ولا يلزمها الزيادة على ذلك، لأن الزوج في الزيادة على نفقة مثلها متبرع فإن شاء أمضى تبرعه وإن شاء لم يُمضِ.
قال: وإذا كانت المرأة مكاتبة بوأها المولى بيتًا صالحت زوجها عن نفقتها أو مهرها جاز لأنها صالحت عما هو حقها وكذلك العبد المحجور إذا صالح عن نفقة امرأته وقد تزوج بإذن المولى جاز؛ لأن الإذن بالنكاح إذن بالإنفاق، لأنه لابد منه، فإذا كان له الإنفاق كان له الصلح عن النفقة لأن في الصلح إبقاء النفقة.
وكذلك المكاتب إذا صالح امرأته عن نفقة كل شهر جاز كما جاز عن العبد المحجوز من طريق الأولى والله أعلم.

.النوع التاسع في إيجاب النفقة في كتاب النكاح الذي لم يعرف ثبوته:

قال: رجل ادعى نكاح امرأة وهي تجحد وأقام عليها شهودًا لم يكن لها على الزوج النفقة لأنه تبين أنها منكوحة ممنوعة عن الزوج لا بفعل الزوج.
وإن ادعت امرأة على تزوج رجل أنه تزوجها وهو يحجد ذلك فأقامت عليه بينة والقاضي لا يعرف الشهود واحتاج إلى المسألة لا تُجعل لها النفقة لم تكن واجبه لها بيقين فلا تحب بالشك.
فرّق بين هذا وبينها إذا شهد شاهدان على رجل أنه طلّق امرأته ثلاثًا وقد كان دخل بها وهي تدعي الطلاق أو تنكره والقاضي لا يعرف الشهود منع القاضي الزوج عن الدخول على المرأة على ما عرف ويقضي القاضي لها على الزوج بالنفقة إذا طلبت ذلك؛ لأن النفقة كانت مستحقة لها على الزوج بيقين والآن وقع الشك في السقوط إن كانت مطلقة لا يسقط، وإن كانت منكوحة يسقط لأنها ممنوعة لا بفعل الزوج فلا يسقط بالشك.

.فرع على مسألة النكاح:

فقال: إن رأى القاضي أن يقضي لها بالنفقة لما رأى من المصلحة ينبغي أن يقول لها: إن كنت امرأةً فقد فرضت لك نفقة كل شهر كذا، ويشهد على ذلك. فإذا مضى شهرًا فقد استدانت على الزوج إن عُدّلت تلك البينة أخذ ثمة بنفقة تلك الأشهر منذ فرض لها: لأنه إذا عُدّلت الشهود تبين أنها كانت منكوحة ممنوعة عن الزوج بفعل الزوج، وهو الجحود.
وإن لم يُعدّل الشهود لم يكن لها عليه شيء قال: ولو أنّ أختين ادعت كل واحدةٍ منهما أن هذا الرجل زوجها وهو يجحد ذلك فأقامت كل واحدة منهما شاهدين على ذلك النكاح ولم تؤقت البينتان وقت النكاح لكن أقامت على إحداهما بينةً على إقراره أنه تزوجها على ألف درهم وأنه دخل بها، وأقامت الأخرى بينة على إقراره أنه تزوجها على مائة دينار وأنه دخل بها والقاضي في مسألة الشهود فطلبتا النفقة جعل القاضي لهما نفقة امرأة واحدة.
هكذا ذكر في (الكتاب)، وعلى قياس المسألة الأولى، ينبغي أن لا يفرض لأنه وقع الشك في وجوب نفقة كل واحدة منهما مع هذا فرض لهما نفقة امرأة واحدة منهما. إنما كان كذلك لأن إحدى البينتين تعدل غالبًا فكان نكاح إحداهما ثابتًا غالبًا فلا يقع الشك بالوجوب بخلاف المسألة الأولى.
وإذا قضى القاضي بنفقة امرأة واحدة وليست إحداهما بأولى من الأخرى كان ذلك بينهما.
قال: فإن عُدِّلَت البينتان حكم لكل واحدةٍ منهما بنصف المال. الذي قامت عليه البينة وبالأقل من نصف المال الذي قامت عليه البينة على إقراره بالدخول بها دون الآخرى، قضى للمدخول بها بالمهر الذي قامت عليه البينة.
ولو لم تدع كل واحدة الدخول أصلًا، والشهود لم يتعرفوا إقرار الزوج بذلك يفرق بينه وبينها ويكون لهما نصف المالين بينهما.
قال في (الكتاب): وفي كل موضع وجبت النفقة وجبت السكنى مع ذلك وهو النوع العاشر من هذا الفصل، وهذا لأن الله تعالى أوجب السكنى مقرونًا بالنفقة. قال تعالى: {اسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم} [الطلاق: 6] وفي قراءة ابن مسعود رضي الله عنه: {من حيث سكنتم وانفقوا عليهن من وجدكم}، ولأنها محتاجة إلى السكنى كحاجتها إلى النفقة.
قال: وللزوج أن يسكنها حيث يسكن ولكن بين جيران صالحين، فإذا كان.... لأن الزوج لو كان أرملًا ينبغي له أن يسكن بين قوم صالحين فإذا كان..... كان أحوج إلى جيران صالحين قال: فإن أراد الزوج أن يسكنها مع أحد من أقربائه فطلبت المرأة منزلًا على حده، فلها ذلك لأن حق السكنى للمرأة إنما كان بمعنيين: أحدهما: أن يقاس مع الزوج.
والثاني: أن تأمن على متاعها. وإذا كان معها ثالث تستحي من المعاشرة مع زوجها وتخاف على متاعها، هذا إذا كان البيت واحد، وأما إذا كان دارًا فيها بيوت وأعطى لها بيتًا تغلق عليها وتفتح، لا يكون لها أن تطالبه بمنزل آخر، لأنه متى كان لها بيت في الدار تغلق عليها، كان هذا بمنزلة، المنازل....... عليها حقها ولا تثبت لها المطالبة بشيء آخر.
وكذلك إذا كانت له امرأتان يسكنهما في بيت واحد، فطلبت إحداهما بيتًا على حدة فلها ذلك، لأن في اجتماعهما في بيت واحد ضررتهما والزوج مأمور بإزالة الضرر عن المرأة. هكذا حكي عن الشيخ الإمام الجليل أبي بكر محمد بن الفضل البخاري رحمه الله، وهذا التعليل....... إلى أن الدار وإن كانت مشتملة على بيوت سكنى، كل واحدة من المرأتين في بيت على حدة تغلق عليها وتفتح، كان لها أن تطالب بمسكن...... قال: فإن اسكنها في منزل ليس معها أحد، فشكت إلى القاضي أن الزوج يضر بها ويؤذيها وسألت من القاضي أن يأمره بأن يسكنها بين قوم صالحين يعرفون إحسانه وإساءته، فإن علم القاضي أن الأمر كما قالت المرأة زجره عن ذلك ومنعه عن التعدي؛ لأنه علم أنه ارتكب ما لا يحل وإن لم يعلم، ينظر إن كان جيران هذه الدار قومًا صالحين أقرهما هناك، لأنه لو أمره بنقلها من هذه الدار لنقلها إلى قوم آخرين مثلهم فلا..... فلا يأمر لكن يسأل الجيران عن صنيعه بها، وإن ذكروا مثل ذلك الذي ذكرت زجره عن ذلك ومنعه عن التعدي في حقها، وإن ذكروا أنه لا يؤذيها فالقاضي يتركها ثمة، لأنه علم أنها منعته.
وإن لم يكن في جوارها من يوثق به أو كانوا يميلون إلى الزوج، فالقاضي يأمر الزوج أن يسكنها بين قوم صالحين ويسأل عنهم ويبين الأمر على خبرهم كما قلنا.
ومما يتصل بهذه المسائل:
إذا أراد الرجل أن يمنع أم..... أتاها أو واحد من أهلها من الدخول عليها في منزله فله ذلك لأن المنزل ملكه فله أن يمنع من الدخول فيه من يشاء، وهذا لأنهم متى دخلوا في منزله يتكلمون بما هو من إذاءه فيؤدي إلى الإضرار بالزوج، وكذلك يمنعها عن الخروج إلى بيت الأبوين لما قلنا، ولكن لا يمنعهم من النظر إليها ومن تعاهدها والتكلم معها فيقفون على باب الدار والمرأة داخل الدار لأنه لو منعهم عن ذلك كان ذلك قطيعة الرحم وإنه حرام وهذا في حق الأبوين ومن كان ذو رحم محرم من المرأة ومن لا يتهمه الزوج. وأما إذا لم يكن يحرم لها ويتهمه الزوج ولم يكن له أن يمنعه من النظر إليها أيضًا، فإذا كان للمرأة ولد من غير هذا الزوج لم يكن له أن يمنعها ولا أن يمنعهن أن ينظر بعضهم إلى بعض كما قلنا من المعنى. هكذا ذكر الخصاف في (النفقات) وفي (أدب القاضي) في أبواب النفقة.
وروي عن أبي يوسف رحمه الله: أن الزوج لا يملك أن يمنع أبوي المرأة من الدخول عليها للزيارة كل شهر مرتين، وإنما يمنعهما من الكسوة. وذكر الفقيه أبو الليث رحمه الله في (فتاويه). عن أبي بكر الإسكاف رحمهما الله: أن الزوج لا يمنع أبوي المرأة عن الدخول عليها للزيارة في كل جمعة، وإنما يمنعهما من الكسوة لأن الزيارة في كل جمعة هي الزيارة المعتادة وهذا لأن التكلم معهما على ما هو مرادها إنما يحصل بالكسوة لا بالزيادة فلا يمنعهما عن الدخول عليها في كل جمعة، وعليه الفتوى.
وأما غير الأبوين من المحارم فقد ذكر الخصاف في (أدب القاضي) وفي (النفقات) أنه يمنعهم من الدخول عليها ولا يمنعهم من النظر إليها.
وذكر الفقيه أبو الليث رحمه الله في (فتاويه) عن أبي بكر الإسكاف رحمه الله: للزوج أن يغلق الباب عليها من الزوار غير الأبوين، وقال محمد بن مقاتل الرازي رحمه الله: لا يمنع المحرم من الزيارة في كل شهر وهو الأرفق بالباقي.
وقال مشايخ بلخ: في كل سنة. وكذلك المرأة إذا أرادت الخروج إلى زيارة الأبوين أو إلى زيارة المحارم فأراد الزوج أن يمنعها من ذلك فهو على الاختلاف الذي قلنا.

.الفصل الثاني في نفقة المطلقات:

هذا الفصل يشتمل على أنواع:

.النوع الأول في بيان من يستحق النفقة من المطلقات:

اجتمع على المطلقة طلاقًا رجعيًا تستحق النفقة والسكنى ما دامت العدة قائمة سواء كانت حاملًا أو حائلًا، وهذا لأن بعد الطلاق الرجعي النكاح قائم وإنما أشرف على الزوال عند انقضاء العدة وذلك غير مسقط للنفقة، كما إذا أو علق طلاقها بمضي شهر، وأما المبتوتة فلها النفقة والسكنى أيضًا ما دامت في العدة حائلًا كانت أو حاملًا، وهذا مذهبنا.
وقال الشافعي رحمه الله لها السكنى ولا نفقة لها إلا أن تكون حاملًا والمبتوتة هي التي طلقها الزوج ثلاثًا، أو طلقها بعوض حتى وقع الطلاق بائنًا عندهم جميعًا.
حجة الشافعي رحمه الله في ذلك ما روي عن فاطمة بنت قيس قالت: طلقني زوجي ثلاثًا ولم يجعل لي رسول الله صلى الله عليه وسلّم نفقة ولا سكنى، قال: ولو كنت حاملًا كانت لك النفقة إلا أنا تركنا ظاهر الحديث في حق السكنى بالإجماع ولا إجماع في النفقة فبقي على ظاهره.
وحجتنا في ذلك ما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: للمطلقة ثلاثًا النفقة والسكنى وهذا نص في الباب، وما روي من الحديث قد طعن الكبار من الصحابة والتابعين فلا يكون حجة.
والمعنى في ذلك أن المرأة ما دامت في العدة فهي محبوسة بحق الزوج، فإن منفعة الحبس تعود إليه وهو صيانة مائه فكانت محبوسة بحقه فتكون نفقتها عليه، كما في حال قيام النكاح.
ثم فرق بين المطلقة وبين المتوفي عنها زوجها. فإن المتوفى عنها زوجها لا تستحق النفقة في تركة زوجها، والمطلقة تستحق النفقة على الزوج، وموضع الفرق: شرح الطلاق المبسوط.
قال في (الكتاب): والنفقة واجبة للمعتدة طالت المدة أو قصرت فيكون القول في العدة إنها لم ينقض قولها مع عينها، لأنها اثبتته في الأخبار عما في رحمها، وقول الأمين مقبول وإليه أشار أبي بن كعب رضي الله عنه في قوله: من الأمانة أن تؤمن المرأة على ما في رحمها فإن أقام الزوج بينة على إقرارها بانقضاء العدة بريء من النفقة، لأن ثبوت إقرارها بالبينة كثبوته بالمعاينة، فإن ادعت حملًا أنفق عليها ما بينها وبين سنتين، فعد يوم طلاقها لأن عدة الحامل إنما تنقضي بوضع الحمل والولد يبقى في البطن إلى سنتين.
وإن مضت سنتان ولم تلد انقطعت النفقة لأن الولد لا يبقى في البطن أكثر من سنتين. فإن قالت: كنت أظن أني حامل ولم أحض إلى هذه الغاية، وأظن أن هذا الذي فيَّ ريح، وأنا أريد النفقة حتى تنقضي عدتي.
وقال الزوج: قد ادعت الحمل وأكثر مدة الحمل سنتان فالقاضي لا يلتفت إلى قوله ويلزمه النفقة ما لم تنقض العدة، لأن هذا أمر قد يسببه، لأن معرفة ما في الرحم حقيقة إلى الله تعالى، قال تعالى {ويعلم ما في الأرحام} [لقمان: 34] فتكون معذورة في ذلك فكان لها النفقة حتى تنقضي عدتها، وعدتها تنقضي بثلاث حيض أو بدخولها في حد الإياس ومضي ثلاثة أشهر بعد ذلك، فإن حاضت في هذه الأشهر الثلاثة استقبلت العدة بالحيض، لأنه تبين أنها لم تكن اثبتته والنفقة واجبة لها في جميع ذلك ما لم يحكم بانقضاء العدة، لأنها محتبسة بعدتها منه.
وسئل أبو بكر رحمه الله: عمن طلق امرأته وكتم عن الناس، فلما حاضت حيضتين وطئها فحبلت ثم أقر بطلاقهاوقال: لها النفقة ما لم تضع، لأن انقضاء عدتها بوضع الحمل.
قال: وإن طلق الزوج امرأته وهي صغيرة لم تحض بعد وقد دخل بها ومثلها يجامع فعدتها ثلاثة أشهر على ما عرف في كتاب الطلاق، وينفق عليها ما دامت العدة قائمة لما ذكرنا وهذا إذا لم تكن المرأة مراهقة، وأما إذا كانت مراهقة فعدتها لا تنقضي بثلاثة أشهر بل يتوقف في حالها إلى أن تظهر أنها هل حبلت بذلك الوطء أم لا، فينبغي أن يدر عليها النفقة ما لم يظهر فراغ رحمهما.
هكذا حُكِيَ عن الشيخ الإمام الجليل أبي بكر محمد بن الفضل رحمه الله، فلو أنها حاضت في هذه الأشهر الثلاثة تستأنف العدة بالحيض وتكون لها حاضت النفقة حتى تنقضي عدتها لما ذكرنا ويعتبر في هذه النفقة ما يكفيها وهو الوسط من الكفاية وهي غير مقدرة، لأن هذه النفقة نظير نفقة النكاح فيعتبر فيها ما يعتبر في نفقة النكاح ثم نفقة العدة إنما لنفقة النكاح وليست شيء آخر.
حتى قلنا: إن كل امرأة تستحق النفقة حال قيام النكاح تستحق النفقة حال قيام العدة لكل أمر لا تستحق النفقة حال قيام النكاح لا تستحق النفقة حال قيام العدة فإن المولى إذا بوأ الأمة بيتًا لما استحقت النفقة حال قيام النكاح استحقت أيضًا بعد الفرقة ومتى لم يبوئها المولى بيتًا لما لم تستحق النفقة حال قيام النكاح لا تستحق النفقة بعد الفرقة أيضًا.
إذا ثبت هذا فتقول المعتدة: إذا لم تخاصم في نفقتها ولم يفرض القاضي لها شيئًا حتى انقضت العدة فلا نفقة لها، لأن النفقة في حال قيام النكاح لا تصير دينًا إلا بقضاء أو برضاء فكذا في حالة العدة، وإن كان الزوج غائبًا فاستدانت عليه ثم قدم بعد انقضاء العدة يقضي عليها بنفقة مثلها، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله الأول، ثم رجع وقال: لا يقضي، كما في نفقة النكاح. وإذا فرض لها النفقة في حال العدة وقد استدانت على الزوج أو لم تستدن....
إن انقضت عدتها قبل أن تبعض شيئًا من الزوج، وإن استدانت بأمر القاضي كان لها أن ترجع بذلك على الزوج بذلك، لأنها استدانت المرأة بأمر القاضي، وللقاضي ولاية متكاملة بمنزلة (أنها) أستدانت (من) الزوج بنفسه، وأما إذا استدانت بغير أمر القاضي أو لم تستدين أصلًا، هذا يرجع على الزوج بذلك أم لا. قال شمس الأئمة الحلواني رحمه الله في (شرح أدب القاضي) فيه كذا.
قال الصدر الإمام الشهيد رحمه الله: فالظاهر عندي أنه لا يرجع. وأشار شمس الأئمة السرخسي رحمه الله إلى أن لا يرجع حيث علل فقال: ليست استحقاق هذه النفقة والمستحق بهذا السبب في حكم الصلة ولابد من قيام السبب لاستحقاق المطالبة، ألا ترى أن الذمي إذا أسلم وعليه خراج رأسه لم يطالب بشيء منه، فكذا هاهنا وهو الصحيح.
قال الخصاف في نفقاته: وكل نكاح كان الزوجان يتوارثان عليه لو مات أحدهما فطلقها الزوج وقد دخل بها، فإن لها فيه النفقة والمهر بدخوله بها.
قال رحمه الله: في (شرحه): وهذا الأصل غير سديد على قول أبي حنيفة رحمه الله، فإن الذمي إذا تزوج أمة فإنها تستحق النفقة عنده ولا يتوارثان لو مات أحدهما فكما تستحق المعتدة النفقة الكسوة تستحق الكسوة لأن المعنى يجمعهما وهو الحاجة غير أن في (الكتاب) لم يذكر كسوتها؛ لأنها لا تبقى في العدة مدة تحتاج إلى الكسوة غالبًا، حتى لو احتاجت يفرض لها ذلك أيضًا.
الدليل على أن المعتدة تستحق الكسوة أنها تستحق النفقة واسم النفقة كما يتناول الطعام يتناول الكسوة.
قال هشام في (نوادره): قلت لمحمد رحمه الله: النفقة هي الطعام وحده قال: لا لكن الطعام والكسوة.
قال في (الكتاب): وفي كل موضع وجبت على الزوج نفقة العدة يجب عليه مؤنة السكنى كما في حال قيام النكاح.
فبعد هذا ينظر إن كان للزوج منزل مملوك فعليه أن يُسكنها فيه، وإن لم يكن للزوج منزل مملوك فعليه أن يكتري منزلًا لها ويكون لكن على الزوج، لأن الإسكان عليه.
وإن كان الزوج معسرًا تؤمر المرأة أن تستدين لكن أو تؤدي ثم ترجع على الزوج إذا أيسر كما هو الحكم في النفقة حال قيام النكاح، ثم الأصل لما بعد هذا.
إن نفقة الفرقة متى وقعت بين الزوجين ينظر، إن كانت الفرقة من جهة الزوج فلها النفقة سواء كانت الفرقة بمعصية أو بغير معصية. وإن كانت الفرقة من جهة المرأة، إن كانت (من غير معصية) تجوز لها النفقة.
وإن كانت بمعصية فلا نفقة لها، وإن كانت الفرقة بمعنى من جهة غيرها فلها النفقة. وهذا لأن النفقة صلة وعصار من يستحق عليه الصلة لا تؤثر فيه بطلان الصلة.
أما عصار من يستحق الصلة تؤثر في ذلك، واعتبر هذا بالوارث إذا قتل المورث، إن كان بحق لا يحرم عن الميراث وإن كان بغير حق يحرم، كذا هاهنا إذا عرف هذا الأصل فنقول للملاعنة: لها النفقة والسكنى، لأن الفرقة باللعان فرقة بطلان فكانت خيانة من قبل الزوج. وكذلك الثانية بالخلع، والإيلاء، وردة الزوج، ومجامعة الزوج أمها تستحق النفقة لأن هذه الفرقات كلها من جهة الزوج بعد إن كانت مستحقة للنفقة في أصل النكاح فينبغي هذا الحق تبعًا للعدة.
فامرأة العنين إذا اختارت الفرقة فلها النفقة والسكنى، وكذلك المدبرة وأم الولد إذا اعتقتا.
ومما عند الزوج قد يواليهما المولى بيتًا فلهما النفقة والسكنى، وكذلك الصغيرة إذا أدركت فاختارت نفسها فلها النفقة والسكنى وإن جاءت الفرقة من قبل المرأة في هذه المسائل إلا أن الفرقة ما جاءت بسبب هي معصيه، وكذلك إذا وقعت الفرقة بسبب عدم الكفاءة بعد الدخول، فلها النفقة لأن الفرقة جاءت بحق تُستحق.
والمنكوحة إذا ارتدت أو طاوعت ابن الزوج حتى وقعت الفرقة لا نفقة لها، لأن الفرقة جاءت من قبلها بسبب هو معصية.
وإن جامعها ابن الزوج مكرهة تقع الفرقة ولا..... لأن الفرقة جاءت من غيرها، ثم فرق بين النفقة وبين المهر فإن الفرقة إذا جاءت من قبل المرأة قبل الدخول يسقط المهر سواء كانت عاصية في ذلك أو بحقه.
والفرق: إن المهر عوض من كل وجه ولهذا لا يسقط بموت أحدهما فإذا فات المعوض بمعنى ما من جهة من له العوض يسقط حقه في العوض إذ العوض لا يستحق بدون المعوض كاليمين في باب البيع، أما نفقة الزوجات عوض من وجه صلة من وجه فإذا كان بين العوض والصلة اعتبرناه عوضًا متى حاءت الفرقة بسبب هي في ذلك عاصية، والعوض يسقط متى فات المعوض من جهة من له الحق في العوض كما في المهر، ومن حيث إنها صلة لا تسقط، فإن فات العوض من جهتها وإن كانت في ذلك محقة فالصلات تحبب فلا عوض، كنفقة الأقارب.
ثم قال في (الكتاب): والمنكوحة إذا ارتدت حتى وقعت الفرقة لا نفقة لها اجبرت على ذلك أو رجعت عن الردة وتابت.
فرق بين هذا، وبينما إذا نشزت فطلقها الزوج ثم تركت النشوز فإنها تستحق النفقة ما دامت العدة باقية.
وهاهنا قال: إذا اسلمت والعدة باقية لا تستحق النفقة والفرق وهو: أن في الردة المسقط للنفقة فرقة جاءت من قبلها بسبب هو معصية، وهذا لا يرتفع بالإسلام فلا يرتفع السقوط، وأما في المسألة تلك المسألة المسقط هو النشوز دون الفرقة الجائية من قبلها، لأن الفرقة لا تقع لنشوز فإذا عادت إلى بيت الزوج ارتفع النشوز فارتفع المسقط فعاد حقها في النفقة، ثم ما ذكر في (الكتاب) أن المختلف تستحق النفقة فذلك إنما يكون وقع الخلع مطلقًا.
فأما إذا شرط في الخلع أن لا سكنى لها ولا نفقة فلها السكنى ولا نفقة لها لأنها بهذا الشرط اسقطت النفقة والسكن والنفقة حق المرأة والسكنى في بيت العدة كما هو حقها فهو حق الشرع فأسقاطها إن عمل في حقها لا يعمل في حق الشرع حتى لو شرط الزوج في الخلع أن لا يكون عليه مؤنة السكنى من مالها، بأن كانا يسكنان في بيت صح، ويجب الأجر، ورفضت المرأة أن تسكن في بيت نفسها أو تلتزم مؤنة السكنى من مالها بأن كانا يسكنان في بيت..... صح ويجب الأجر عليها، لأن ذلك محض حقها.
ثم فرق بين هذا وبينما إذا أبرأت المرأة زوجها عن النفقة قبل أن تصير النفقة دينًا في الذمة، فإنه لا يصح ذلك بالاتفاق.
وإذا شرط في عقد الخلع براءة الزوج عن النفقة صح، والفرقة وهو أن الإبراء إذا شرط في الخلع كان إبراء بعوض والإبراء بعوض يكون استيفاء لما وقعت البراءة عنه، لأن العوض قائم مقام ما وقعت البراءة عنه، والاستيفاء قبل الوجوب جائز، فإنها إذا أخذت نفقة شهر جملة جاز.
وأما في غير الخلع الإبراء إنما حصل بغير عوض فيكون إسقاطًا لحقها، وإسقاط الشيء قبل الوجوب لا يصح بالاتفاق، وكذلك الجواب في نفقة الولد وهو مؤنة الرضاع لا يسقط بسبب الخلع أن لا يسقط إن لم يشترط ذلك في الخلع، وإن شرط في الخلع إن وقت، بأن قال: إلى سنة أو سنتين أو ثلاث جاز، وما لا فلا.
وإذا وقت جاز إن مات الولد قبل تمام المدة فالزوج يرفع عليها بما بقى من آجر، مثل الرضاع إلى تمام المدة.
هكذا ذكر في (الكتاب) والحيلة في ذلك حتى لا يرجع أن تقول المرأة للزوج حتى يقول لها الزوج: عليَّ هذا الوجه خالعتك على أني بري من نفقة الولد إلى سنتين، إن مات في بعض السنة فلا رجوع لي عليك.
قال في (الكتاب): وفي فصل الخلع في كل موضع لم يصح الإبراء عن السكنى ينظر إن (كان) المنزل ملكًا للزوج ينبغي أن يخرج الزوج من المنزل ويعتزل عنها ويتركها في ذلك المنزل إلى أن تقضي عدتها، وكذلك إذا كان المنزل..
..... وإن استكرى لها منزلًا...... يجوز لكن الأفضل أن يتركها في المنزل الذي كانا يسكنانه قبل الطلاق، هذا هو الكلام في الطلاق الثاني.
أما إذا كان الطلاق رجعيًا فقد ذكر الخصاف في نفقاته: أنه يسكنها في المنزل الذي كانا يسكنان فيه قبل الطلاق، لأنه لا يجب على الزوج أن يعتزل عنها فكان له أن يُسكنها في ذلك المنزل وهو فيه، وفي الطلاق الثاني يسكنها أيضًا في ذلك المنزل، لكن الزوج يخرج عن ذلك المنزل أو يعتزل عنها في ناحية.
قال: وإذا طلق الرجل امرأته طلاقًا بائنًا وهي أمة، وقد كان بوأها المولى بيتًا فعلى الزوج النفقة، فإن أخرجها المولى لخدمته وكانت في العدة لا نفقة لها وإن أعادها إلى بيت زوجها وترك استخدامها فلها النفقة، وهذا لأن نفقة العدة معتبرة بنفقة النكاح.
والجواب في نفقة النكاح على هذه التفاصيل. فكذا في نفقة العدة، فإما إذا كانت قبل الطلاق في بيت الزوج ولم تعد إلى بيت الزوج حتى طلقها الزوج، ثم عادت إلى بيت الزوج بعد الطلاق فلا نفقة لها عند علمائنا الثلاثة رحمهم الله.
فرق بين هذا وبين الحرة إذا كانت ناشزة وقت الطلاق ثم عادت إلى بيت الزوج، فإنها تستحق النفقة.
والفرق: أن في حق الأمة النكاح حالة الطلاق لم يكن سببًا لوجوب النفقة؛ لأنه لم يكن سببًا لوجوب الاحتباس، ولهذا لو أراد الزوج أن يعيدها إلى منزله من غير رضا المولى لم يكن له في ذلك.
وبالطلاق زال النكاح وبقي (من وجه) من وجه، فإذا عادت إلى بيت الزوج وتحقق الاحتباس إن صار النكاح سببًا من الوجه الذي هو باقي، فمن الوجه الذي هو زائل لا يصير سببًا فلا يصير سببًا بالشك والاحتمال.
أما في الحرة النكاح حالة الطلاق كان سببًا لوجوب النفقة، لأنه كان سببًا لوجوب الاحتباس ولهذا أراد الزوج أن يعيدها إلى بيته كان له ذلك شاءت أو أبت إلا أنها بالنشوز وجب الاستيفاء على الزوج يجوز...... بالمنع من الاستيفاء ما عليها فتمكنت المرأة من استيفاء ما عليه أيضًا.
فرق بين هذا وبينما لو أخرجها المولى من بيت الزوج بعد الطلاق ثم أعادها كان لها النفقة لأن النكاح حالة الطلاق كان سببًا لوجوب النفقة لكن السقوط كان يعارض أمرًا. فإذا زال العارض ارتفع المسقط فيرتفع السقوط، أما هاهنا بخلافه على ما مر.
قال: ولو أن رجلًا تزوج أمة رجل بأذن مولاها ولم يبوئها المولى بيتًا حتى لو طلقها الزوج طلاقًا رجعيًا فإن للسيد أن يأخذ الزوج حتى يبوئها بيتًا يعني، للمولى أن يخلي بينها وبين الزوج في بيت واحد وينفق الزوج عليها حتى تنقضي العدة، لأن الطلاق الرجعي لا يقطع النكاح، فإن كان الطلاق بائنًا فليس للسيد أن يأخذ الزوج حتى يبوئها بيتًا بمعنى لا يخلي بينها وبين الزوج في بيت واحد، لأن الطلاق الثاني يحرم الوطء، وهل للمولى أن يطالب الزوج بالنفقة ما دامت معتدة؟
ذكر الخصاف في نفقاته: أن له ذلك.
قال الصدر الشهيد برهان الأئمة رحمه الله: أنه ليس لها النفقة وما ذكرنا من المسألة قبل هذه المسألة يصير رواية لما قاله رحمه الله، وهذا لأنه لا يستحق النفقة حال قيام النكاح قبل البيتوتة، وكل من لا يستحق النفقة حالة النكاح لا يستحق بعد الطلاق، وقد ذكرنا هذا الأصل قبل هذا.

.فرع على هذه المسألة:

فقال: لو طلقها الزوج طلاقًا رجعيًا ثم أعتقها المولى كان لها أن تطالب من الزوج حتى يبوئها بيتًا وينفق عليها لأنها ملكت أمر نفسها، وإن كان الطلاق بائنًا فالزوج لا يخلو بها في بيت واحد لما قلنا. وهي لا تأخذه بالسكنى، وهل لها أن تأخذه بالنفقة؟
ذكر الخصاف أن لها ذلك. والصحيح أنه ليس لها ذلك لما قلنا.
قال: وإذا أعتق أم ولده لا نفقة لها في العدة لأنه ما به يستحق النفقة وهو ملك اليمين، وقد زال كله فسقطت النفقة الواجبة قبل العدة لو وجبت النفقة وجبت ابتداءً والعدة لا تصلح لإيجاب نفقة لم تكن وكذلك لو فات المولى حصة عتق أم الولد بموته لا نفقة لها في تركة الميت، ولكن إن كان لها ولد فنفقتها تكون في نصيب الولد، لأن الأم إذا كانت معسرة معتده فنفقتها على الولد، وإن كان الولد صغيرًا على ما يأتي إن شاء الله تعالى.
قال محمد رحمه الله في (الكتاب): وإذا أقر الزوج بحرمة امرأته وقد دخل بها وفرق بينهما فلهذا المسمى من المهر ونفقة العدة.
ومعنى هذه المسألة أن الزوج أدعى فساد النكاح الأصل، أو أقر بالحرمة وأسند الحرمة إلى الزمان الماضي، وهذا لأن الزوج أقر على نفسه بالحرمة وعليها يسقط المسمى، والنفقة فيصدق في حق نفسه لا في حقها والله أعلم.

.النوع الثاني في الأسباب المسقطة لهذه النفقة:

قال محمد رحمه الله: المعتدة إذا وجبت لها النفقة كانت لها في العدة بمنزلة الزوجة التي لم تطلق، فما وجب للزوجة التي لم تطلق من النفقة فكذلك للمعتدة ما دامت في العدة، وما حرمت به من النفقة وهي زوجة تحرم به إذا كانت في العدة، والمرأة فيه إذا ارتدت عن الإسلام في عدتها فحلست حتى تفوت، أو حبست المعتدة في الدين، أو خرجت للحج، لأنه لما فات حقيقة الاحتباس لهذه الأسباب فإن منفعته صيانة ماء الزوج فلا يستحق النفقة. فأما إذا لم يجب الإحتباس في العدة بأن ارتدت في العدة ولكن لم تحبس بعد، إنما هي في بيت الزوج أو قبّلت ابن الزوج أو ما أشبه ذلك فإنه لا تسقط نفقتها متى حصلت في العدة وإن كانت تسقط النفقة حال قيام النكاح، وإنما كان كذلك لأن في حال قيام العدة إذا لم يجب الاحتباس بسبب هذه الأفعال كان منفعته وهو صيانة الماء حاصل للزوج فكان ما هو المقصود خاصة للزوج فتستحق النفقة أما في حال قيام النكاح فوجب الاحتباس الذي هو مطلوب بالنكاح وهو الاحتباس لمنفعة الوطء ودواعيه فجوزيت بالحرمان.

.فرع على ما إذا ارتدت وحبست حتى سقطت النفقة:

فقال لو رجعت إلى الإسلام فلها النفقة والسكنى لأن الاستحقاق النفقة كان ثابتًا لها لكن السقوط كان قد تعارض وهو الحبس بالردة حتى تتوب فإن اسلمت زال العارض فيعود الاستحقاق كما لو نشزت ثم عادت إلى بيت العدة.
فرق بين هذا وبينما لو ارتدت وهي منكوحة حتى وقعت الفرقة وسقطت النفقة ثم أسلمت بعد ذلك، فإن النفقة لا تعود.
والفرق: أن الفرقة في ارتداد المنكوحة إنما وقعت بمعنى مضاف إليها وهو معصية فسقطت النفقة أصلًا فلا يعود بعد ذلك، أما إذا ارتدت وهي معتدة فسبب الوجوب قد تعدد لكن امتنع الوجوب في بعض المدة تعارض أمر وقد زال ذلك فيزول المنع كما في النشوز قال وإن كاتب المعتدة حتى ارتدت التحقت بدار الحرب ثم أسلمت بعد ذلك أو سبيت وأعتقت فلا نفقة لها لأنها لما لحقت بدار الحرب مرتدة فسقطت العدة حكم الانقطاع العصمة بتباين الدارين فكان بمنزلة ما لو سقطت العدة بمضي المدة، وهذا الذي ذكرنا كله في الطلاق الثاني والطلقات الثلاث.
جئنا إلى الطلاق الرجعي فنقول: المعتدة بالطلاق الرجعي إذا وطئها ابن الزوج أو قبلها بشهوة وهي مطاوعة وارتدت فحبست أو لم تحبس فلا نفقة لها، لأن في الطلاق الرجعي الفرقة ما وقعت بالطلاق فيكون وقوع الفرقة بسبب وجد منها وهو معصية فيوجب ذلك سقوط النفقة ولا كذلك في الطلاق الثاني والطلقات الثلاث.
قال: المعتدة إذا خرجت من بيت العدة سقطت نفقتها.
هكذا روي عن الضحاك مطلقًا، وهذا عندنا ما دامت على النشوز، وإن عادت إلى بيت الزوج كان لها النفقة والسكنى كما في حال قيام النكاح، ثم الخروج من بيت العدة على سبيل الدوم ليس بشرط لسقوط النفقة، فإنها إذا خرجت زمانًا وسكنت زمانًا لا تستحق النفقة. هكذا ذكر شمس الأئمة السرخسي رحمه الله في (أدب القاضي) للخصاف في شرح أحاديث باب إثبات الوكالة.
قال: وكذلك إن كانت ناشزة وقت الطلاق ثم عادت إلى بيت الزوج بعد الطلاق تستحق النفقة، وهذا لما ذكرنا أن نفقة العدة تبعًا لنفقة النكاح، فتكون هذه الحالة معتبرة بحال قيام النكاح.
والجواب: حال قيام النكاح على هذا الوجه، فكذا حال قيام العدة.
وفي (فتاوى النسفي): في المعتدة عن طلاق بائن إذا تزوجت في العدة ووجد الدخول وفرق بينهما ووجبت عليها العدة منهما لا نفقة لها على الزوج الثاني؛ لأن النكاح مع الزوج الثاني فاسد وإنما نفقتها على الزوج الأول؛ لأنها لا توصف بالنشوز بمنعها نفسها منه هاهنا، لأن الطلاق الخل وزال هكذا ذكر هاهنا.
وتأويل هذه المسألة ما إذا تزوجت وهي في بيت العدة لم تخرج من بيت العدة، أما إذا خرجت من بيت العدة لا تستحق النفقة لما قلنا والله أعلم.

.النوع الثالث في الصلح عن نفقة العدة:

قال: وإذا صالح الرجل امرأته عن نفقتها ما دامت في العدة على دراهم مسماة لا يزيد عليه حتى تنقضي العدة ينظر إن كانت عدتها بالحيض لا يجوز الصلح، وإن كانت بالأشهر جاز، وإنما كان هكذا لأن العدة إذا كانت بالحيض فمدة النفقة مجهولة فلا يدري حيضة كل يوم من المصلح عليه، وإنما يحتاج إلى استيفاء حصة كل يوم بعد الصلح، لأن كل يوم مضى فنفقة ذلك اليوم تصير دينًا لها على الزوج فيكون لها استيفاء ذلك لا محالة.
فأما إذا لم يكن حصة كل يوم معلومة تقع بينهما منازعة مانعة من التسليم، والتسليم مثل هذه الجهالة تمنع جواز الصلح كما لو صالحت عن نفقتها مع الزوج، وما دامت زوجة له على مال معلوم كان صلح الطلاق باطلًا، فكذا هاهنا بخلاف ما إذا كانت عدتهما بالأشهر، لأن مدة النفقة معلومة وهي ثلاثة أشهر فتكون حصة كل يوم من النفقة معلومة فيمكنها استيفاء حصة كل يوم يمضي من وقت الصلح، فكان الصلح جائز.
قال: وإذا خلع الزوج امرأته أو طلقها طلاقًا بائنًا ثم صالحها من السكنى على دراهم فإن هذا لا يجوز، لأن السكنى حال قيام العدة، وإن كان حقوق الزوجة ففيه حق الله تعالى أيضًا، فلو جاز هذا الصلح أدى إلى إبطال حق الله تعالى فلا يجوز وإن صالحها من النفقة على دراهم، إن لم يشترط في الخلع أبرأته عن النفقة لا يجوز الصلح لأن البراءة عن النفقة متى كانت مشروطة في الخلع الصحيح فهي إنما صالحت عما ليس بحق لها فلا يجوز.
استشهد في (الكتاب) فقال: ألا ترى أن المنكوحة نكاحًا فاسدًا (إذا) صالحت من النفقة على دراهم لا يجوز؛ لأنها صالحت عما ليس بحق لها فكذا هاهنا.

.النوع الرابع في اختلاف الزوجين في وقوع الطلاق وبيان حكم النفقة فيه:

قال الخصاف رحمه الله في نفقاته: ولو أن رجلًا قدمته امرأة إلى القاضي وطالبته بالنفقة، فقال الرجل للقاضي: كنت طلقتها منذ سنة وانقضت عدتها في هذه المدة وجحدت المرأة الطلاق فإن القاضي لا يقبل قوله، لأن الطلاق ظهر بقوله في الحال وهو بالإسناد يريد إسقاط النفقة عن نفسه فلا يصدق إلا ببينة، فإن شهد له شاهدان بذلك والقاضي لا يعرفهما فإنه يأمره بالنفقة عليها؛ لأن وقوع الطلاق في ذلك الوقت لم يظهر بعد، فإن عدلت الشهود وأقرت أنها قد حاضت ثلاث حيض في هذه السنة فلا نفقة لها عليه، وإن كانت أخذت منه شيئًا ردت عليه؛ لأنه ظهر أنها أخذت مال الغير بغير حق مال.
ولو شهد شاهدان على رجل أنه طلق امرأته ثلاثًا وهي تدعي الطلاق أو تنكر فإنه ينبغي للقاضي أن يمنع الزوج عن الدخول عليها والخلوة معها ما دام القاضي من...... يتركه الشهود، لأن الشهود يحتمل أن يكون صدقة، وعلى هذا التقدير كانت المرأة أجنبية، ويحتمل أن يكونوا كذبة فعلى هذا التقدير كانت منكوحة بوجوب المنع احتياطًا، ولا يخرجها القاضي من هذا الوجه من منزل زوجها. نص عليه في (الجامع) ولكن يجعل معها امرأة أمينة تمنع الزوج من الدخول عليها.
وإن كان الزوج عدلًا فرق بين هذا وبينما إذا طلق الرجل امرأته ثلاثًا ومنزله.....، يجعل بينهما سترًا حائلًا، فإنه يكفي ولا يحتاج إلى امرأة أمينة إذا كان الزوج عدلًا والفرق عرف في موضعه.
ونفقة الأمنية هاهنا في بيت المال لأنها مشغولة بمنع الزوج عن الدخول عليها حقًا لله تعالى. احتياطًا لأمن الفرج فكانت عاملة لله تعالى فتكون نفقتها في مال الله تعالى وهو مال بيت المال.
وإن طلبت المرأة من القاضي النفقة وهي تقول: طلقني أو تقول: لا يطلقني، أو تقول: لا أدري أطلقني أم لم يطلقني فهذا على وجهين: إن لم يكن الزوج دخل بها فالقاضي لا يقضي لها بالنفقة، لأنه إن وقع الطلاق عليها فهي....... من غير عدة، فلا تجب لها النفقة. فإن لم يقع الطلاق عليها فهي محبوسة عن الزوج.
والمنكوحة متى حبست عن الزوج لا تستحق النفقة، وإن كان قد دخل بها فالقاضي يقضي لها بمقدار نفقة العدة إلى أن يسأل عن الشهود؛ لأنه إن وقع الطلاق عليها فلها نفقة العدة، وإن لم يقع لا نفقة لها لأنها منكوحة محبوسة عن الزوج، وإذا احتمل يقضي لها بنفقة العدة إلى أن يسأل عن الشهود، وإن تطاولت المسألة عن الشهود حتى انقضت العدة لم يردها القاضي على نفقة العدة شيئًا لأنا تيقنا أنه لا نفقة لها بعد مضي مدة العدة، لأنه إن وقع الطلاق عليها فقد انقضت عدتها، وإن لم يقع الطلاق عليها فهي ممنوعة عن الزوج، بعد هذا إن كتب الشهود فرق بينهما وسلم لها ما أخذت من النفقة؛ لأنها تتبين أنها منكوحة محبوسة عن الزوج لا يفعل الزوج فلم يكن لها نفقة النكاح فكان أخذها بغير حق فيجب عليها الرد.
استشهد في (الكتاب) لا تصح هذه المسألة، فقال: ألا ترى أن القاضي لو فرق بينهما شهادة شهود فمكث زمانًا، وقد كانت للمرأة على الزوج فريضة نفقة معلومة لكل شهر فكانت المرأة تأخذ ذلك حالة العدة، ثم علم أن الشهود كانوا عبيدًا أو محدودين في المقذف فردت شهادتهم وردت المرأة على زوجها ويجب عليها رد ما أخذت في هذه المدة لأنه يتبين أنها منكوحة في هذه المدة ممنوعة عن الزوج، لا بمعنى من جهة الزوج. كذا هاهنا.
ومما يتصل بهذا الفصل:
المعتدة إذا أنفق عليها إنسان ليتزوجها، ثم لما انقضت العدة إنسان تزوج نفسها منه، فهذا على وجهين: الأول أن يشترط الزوج وقت الإنفاق بأن يقول لها: أنفق عليك ما دمت في العدة على أن تزوجي نفسكِ مني إذا مضت عدتك ففي هذا الوجه للزوج أن يرجع عليها بها إذا أنفق، سواءً زوجت نفسها أو لم تزوج، لأنه أنفق عليها بشرط فاسد.
وذكر في (فتاوى الفضلي) رحمه الله: في هذا الوجه أن الزوج إن كان أعطاها دراهم فله أن يرجع عليها إذا أبت أن تزوج نفسها منه. إلا أن يكون أعطاها على وجه الصلة.
الوجه الثاني: أن ينفق عليها من غير شرط التزويج لكن علم عرفًا أنه يتفق بشرط أن تزوج المرأة نفسها منه، ثم لم ترجع.
وفي هذا الوجه اختلف المشايخ بعضهم، قالوا: يرجع لأن المعروف كالمشروط، وبعضهم قالوا: لا يرجع وهو الصحيح؛ لأنه أنفق على قصد التزوج لا على شرط التزويج الفضل.

.الفصل الثالث في نفقة ذوي الأرحام:

هذا الفصل يشتمل على أنواع أيضًا:

.النوع الأول فيما يحب على الأب والأم في رضاع الصغير ونفقته.

والأصل في ذلك قول الله تعالى: {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة} [البقرة: 233] الآية ولأهل العلم في معنى أول الآية إلى آخرها كلام، وأما قوله تعالى: {والوالدات يرضعن أولادهن} اختلفوا فيه:
قال بعضهم: هذا مجرد...... الوالدات، كذا يفعلن في العام الغالب. وليس فيه إيجاب الإرضاع على الأمهات.
وقال بعضهم: فيه إيجاب الإرضاع على الأمهات، وإن كان بصيغة الخبر كقوله تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} [البقرة: 228] وعن هذا ثلاث، إن حال قيام النكاح لا يجوز لها أن تأخذ الأجر بالإرضاع، لأنه يجب عليها الإرضاع ديانة، وإن كانت لا تجبر على ذلك في الحكم واحد الأجرة إذا ما يجب عليها من الدين لا يجوز.
ألا ترى أنه لا يجوز لها أخذ الأجر من الزوج بسبب أعمال داخل البيت ولهذا أن أعمال داخل البيت واجبة عليها ديانة، كذا هاهنا.
وفي الجبر على الإرضاع كلام، واختلاف يأتي بعد هذا إن شاء الله تعالى.
وأما قوله تعالى: {حولين كاملين} فيه اختلاف ظاهر: أن هذه مدة الرضاع في حق التحريم بأدنى (المدة) قال أبو حنيفة رحمه الله: شهرًا إن وجد الرضاع في هذه المدة ثبتت الحرمة وفُطِم على رأس الحولين، أو لم يفطم، وإن وجد بعد هذه المدة تثبت الحرمة وفطم على رأس هذه المدة، أو لم يفطم. وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: حولين، وهو قول الشافعي رحمه الله.
وقال زفر رحمه الله: ثلاث سنين والحجج معروفة في (المبسوط) ثم مدة الرضاع ثلاث أوقات: أدنى، وأوسط، وأقصى.
فالأدنى: حول ونصف.
والأوسط: حولان.
والأقصى: حولين ونصف، حتى لو نقص عن الحولين لا يكون شططا، ولو زاد على الحولين لا يكون مقدرًا، والوسط: هو الحولان فلو كان الولد يستغني عنها دون الحولين تفطمه في حول ونصف بالإجماع يحل ولا تأثم، ولو لم يستغن عنها بحولين يحل لها أن ترضعه بعد ذلك. عند عامة العلماء إلا عند خلف بن أيوب رحمه الله، إنما الكلام في ثبوت الحرمة واستحقاق الأجر عند أبي حنيفة رحمه الله ثبتت حرمة الرضاع في ثلاثين شهرًا، وعندهما إلى حولين.
أما الكلام في استحقاق الأجر قال شمس الأئمة الحلواني رحمه الله هو على هذا الخلاف حتى أن من طلّق امرأته فأرضعت بعد الحولين فطلبت الأجر عند أبي حنيفة رحمه الله: استحق الأجر إلى تمام حولين ونصف وعند أبي يوسف ومحمد رحمها الله: لا يستحق الأجرة فيما عدا الحولين، وأكثر المشايخ أن على مدة الرضاع في حق استحقاق الأجر على الأب فقدره بحولين عند الكل حتى لا تستحق المطلقة أجرة الرضاع بعد الحولين بالإجماع، وتستحق في الحولين بالإجماع.
وأما قوله تعالى: {لمن أراد أن يتم الرضاعة} [البقرة: 233] هي من إرادة تمام الرضاع ترضع حولين كاملين لا ينقص عن ذلك، ولكن إذا نقص عن ذلك، وكان الولد يستغني عن ذلك يجوز، وقد مرّ جنس هذا، وأما قوله تعالى: {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف} [البقرة: 233] سنبّين معناه بعد هذا إن شاء الله.
قال أصحابنا رحمهم الله، ولا تجبر الأم على إرضاع ولدها؛ لأن الإرضاع بمنزلة النفقة ونفقة الأولاد تجب على الآباء لا على الأمهات فكذا الإرضاع. وإن كان الصبي لا يأخذ لبن غريها ولا يوجد من ترضعه هل تجبر الأم على الإرضاع؟.
ذكر شمس الأئمة الحلواني رحمه الله في (شرحه): أن القاضي الخصاف في باب نفقة الصبيان أن في (ظاهر الرواية) عن أصحابنا رحمهم الله: لا تجبر. وروي عن أبي يوسف وأبي حنيفة رحمهما الله في (النوادر) أنها تُجبر، وذكر شمس الأئمة السرخسي رحمه الله في شرح (أدب القاضي) للخصاف أيضًا أنها تجبر من غيره بلا خلاف.
وهكذا ذكر في (شرح القدوري)، وهذا لأنها لو لم تجبر والولد لا يأخذ لبن غيرها...... الولد وهي ممنوعة عن إتلاف الولد.
وجه ما ذكر شمس الأئمة الحلواني رحمه الله: أن الولد تغذى بالدهن وغيره من المائعات لا يؤدي هذا إلى إتلاف الولد. قال الضحاك: إذا لم يكن للصبي أو للأب مال أجبرت الأم على الإرضاع وهو الصحيح، لأنها..... في اللبن، فصار هذا قياس ما قال أصحابنا رحمهم الله في الأب إذا غاب وليس له مال، وترك امرأة وصغيرًا وللمرأة مال فالمرأة تجبر على الإنفاق على الصبي، ثم هي ترجع عليه، كذا هاهنا.
ثم إرضاع الصغير إذا كان يوجد من يرضعه إنما يجب على الأب إذا لم يكن للصغير مال. أما إذا كان له مال بأن ماتت أمه فورث مالًا أو استفاد مالًا بسببٍ آخر يكون مؤنة الرضاع في مال الصغير، وكذلك نفقة الصبي بعد الفطام إذا كان له مال لا يجب على الأب.
فرق بين نفقة الولد وبين نفقة الزوجات، فإن المرأة وإن كانت موسرة فنفقتها على الزوج.
والفرق وهو: أن نفقة الزوجة إنما تجب إذا تمكن من الاستمتاع، فكان سببه البدل، والبدل يجب وإن كان من يستحقهُ غينًا. فأما نفقة الولد لا تجب إذا تمكن من الانتفاع، وإنما تجب لأجل الحاجة فلا تجب بدون الحاجة، كنفقة المحارم.
فإن كان للصغير عقارًا....... ذلك للنفقة كان للأب أن يبيع ذلك كله وينفق عليه؛ لأنه غني بهذه الأشياء، ونفقة الصبي تكون في ماله إذا كان غنيًا.
وإن كان مال الصغير غائبًا توجب على الأم أن تنفق من مال الولد إذا حضر ماله، ولكن إن أشهد على ذلك فله أن يرجع في الحكم، وإن أنفق بغير إشهاد على نية الرجوع ليس له أن يرجع في الحكم؛ لأن الظاهر أن الأب قصد فيما ينفق على ولده التبرع والقاضي لا يطلع إلا على الظاهر، أما الله تعالى فمطلع على الضمائر والظواهر، فكان له أن يرجع إذا كان قصده عند الإنفاق الرجوع. وأما إذا لم يكن قصده عند الإنفاق الرجوع.
وأما إذا لم يكن للصبي مال فالنفقة على والده لا يشاركه أحد في ذلك؛ لأنه إنما يستحق النفقة على الوالد لكونه........ إليه غيره لا يشاركه في هذا المعنى فلا يشاركه في النفقة عليه.
وروي عن أبي حنيفة رحمه الله: أن النفقة على الأب والأم أثلاثًا على حسب ميراثهما إلا أن في (ظاهر الرواية) جعل الكل على الأب لأن النفقة نظير الإرضاع، فكما لا يشارك الأب في مؤنة الإرضاع أحدٌ فكذا في النفقة. قال: وإن كان الأب معسرًا والأم موسرة أمرت أن تنفق من مالها على الولد ويكون دينًا على الأب ترجع عليه إذا أيسر، لأن نفقة الولد الصغير على الأب وإن كان معسرًا كنفقة نفسه فكانت الأم صاحبة حق واجب عليه يأمرها القاضي فترجع عليه إذا أيسر كما إذا أدت بأمره ثم جعل الأم أولى بالتحمل من سائر الأوقات، حتى لوكان الأب معسرًا والأم موسرة، وللصغير جدٌّ موسر تؤمر الأم بالإنفاق من مال نفسها ثم ترجع على الأب، ولا يُؤمر الجد بذلك؛ لأنه وقعت الحاجة إلى الاستدانة من مالها وهي أقرب إلى الصغير وأولى.
قال: رجل له ولد صغير وأمه في نكاحه، فطلبت من زوجها أجرة الرضاع لا تستحق وإن استأجرها على ذلك لما ذكرنا من المعنى، ومعنى آخر: أن نفقة النكاح واجب على الزوج كما وجب على الزوج، فلو أوجبنا عليه أجرة الرضاع يجتمع أجرة الرضاع مع نفقة النكاح في مالٍ واحد وهذا لا يجوز هذا إذا لم يكن للصغير مال.
أما إذا كان له مال هل يجوز أن يقرض أجرة الرضاع من ماله؟ ذكر رحمه الله في أول (شرح النفقات) للخصاف رحمه الله: أنه روى عن محمد رحمه الله أنه يقرض من مال الصبي، وهكذا ذكر في إجارات القدوري.
قال محمد رحمه الله في أول (شرح النفقات): وليس فيه اختلاف الروايتين ولكن ما روي عن محمد رحمه الله أنه يقرض من مال الصغير تأويله إذا لم يكن للأب مال، وما ذكر أن الزوج إذا استأجرها على إرضاع ولده لا يجوز تأويله إذا فرض أجرة الرضاع في ماله نفسه ولا يستحق ذلك كيلا تجتمع أجرة الرضاع مع نفقة النكاح في مال واحد، وهذا المعنى لا يتحقق إذا فرض لها في مال الصغير فقلنا إنها تستحق ذلك المال، وإن كانت الأم معتدة عن طلاق رجعي لا تستحق أجرة الرضاع على الزوج أيضًا، لأن بالطلاق الرجعي النكاح لم يزل، فصارت هذه الحالة حال قيام النكاح، فأما إذا كانت الأم معتدة عن طلاق بائن أو طلقات ثلاث هل تستحق أجرة الرضاع؟ فيه روايتان: وجه الرواية التي قال: لا تستحق بالطلقات الثلاث والطلاق البائن التحقت بسائر الأجنبيات والأجنبية تستحق الأجرة للرضاع فكذا هذه المرأة.
وجه الرواية الأخرى: أن العدة من أحكام النكاح فلهذا تجب النفقة ما ثبتت العدة.
والدليل عليه: أن الرجل إذا...... زكاة ماله إلى معتدته عن طلاق ثاني أو ثالث أو شهد لمعتدته عن طلاق ثاني أو ثالث لا يجوز رواية واحدة فعلم أن هذه الحالة معتبرة بحال قيام النكاح، فلا تستحق أجرة الرضاع كما في حال قيام النكاح أما بعد انقضاء العدة تستحق أجرة الرضاع باتفاق الروايات؛ لأن هذه الحالة ليست بحالة قيام النكاح أصلًا، فكانت في هذه الحالة ملحقة بالأجنبيات من كل وجه.

.فرع على هذه المسائل في كتاب الصلح:

فقال: لو صالحت المرأة زوجها عن أجرة الرضاع على شيء إن كان الصلح حال قيام النكاح أو في العدة عن طلاق رجعي لا يجوز، وإن كان الصلح في العدة عن طلاق ثاني أو طلقات ثلاث جاز على إحدى الروايتين؛ لأن الصلح على أن يعطيها شيئًا لترضع ولدها استئجار لها على إرضاع ولده منها وذلك على هذا التفصيل على ما ذكرنا، كذا هنا.
وإذا جاز الصلح بعد الطلاق الثاني على إحدى الروايتين كان الجواب فيه كالجواب فيما إذا استأجرها على عمل آخر من الأعمال ولو استأجرها على عمل أخر من الأعمال على دراهم أو صالحها عن تلك الدراهم بعينه جازو إن صالح عن تلك الدراهم على شيء بغير عينه لا يجوز إلا أن يدفع ذلك في المجلس حتى لا يكون هذا بيع دين بدين كذا هاهنا.
وفي كل موضع جاز الاستئجار ووجبت النفقة لا يسقط بموت الزوج؛ لأنها أجرة ليست بنفقة، ثم إذا لم تحب أجرة الإرضاع حال قيام النكاح من كل وجه، وفي العدة عن طلاق رجعي في العدة، عن طلاق ثاني أو ثالث على إحدى الروايتين كان لها أن تمنع عن الإرضاع ولا تجبر على ذلك ولكن بالشرائط التي ذكرنا قبل هذا وإذا لم يجبرو لم يكن للصبي مال كان على الأب أن يكتري امرأة ترضعه عند الأم ولا تبرع على الأم؛ لأن الأم أجمعت على أن الجحد لها، لكن لا يجب على...... تمكث في بيت الأم إذا لم يشترط ذلك عليها عند العقد، وكان الولد يستغني عن الظئر في تلك الحالة، بل لها أن ترضع وتعود إلى منزلها.
وإذا لم يشترط عند العقد أن ترجع عند الأم كان لها أن تحمل الصبي إلى منزلها أو يقول: أخرجوه وأرجعوه عند فناء الدار، ثم يدخل الولد على الوالدة إلا أن يكون شرط عند العقد أن الظئر تكون عند الأم، فحينئذ يلزمها الوفاء بذلك الشرط، فإذا قالت: أنا أرضع الولد بمثل ذلك الأجرة، ففي كل موضع تستحق هي أجرة الرضاع كما في العدة عن طلاق ثاني أو ثالث على إحدى الروايتين أو بعد انقضاء العدة على الروايات كلها كانت هي أولى، بخلاف ما إذا كانت تطلب زيادة على ما ترضعه غيرها حيث لا تكون هي أولى.
والفرق: وهو أن إرضاع الأم للصغير، فإذا كانت ترضعه بما يرضعه غيرها فالأب في انتزاع الولد منها متعنت محض مأخذ الإضرار بالولد فكانت الأم أولى: أما إذا طلبت الزيادة على ما يرضعه غيرها لم يكن الزوج في انتزاع الولد منها متعنتًا، فكان للزوج ذلك، وإلى هذا وقعت الإشارة في الكتاب. قال الله تعالى: {وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى} [الطلاق: 6] جاء في التفسير: أن التعاسر أن يجرى بينهما المكس في الأجرة.
قال: ولو.... أولاد صغار، بعضهم رضيع وبعضهم فطيم وأمهم زوجية وليس للأولاد مال، فخاصمته أمهم في نفقتهم فالقاضي يفرض لهم النفقة على الأب ما داموا صغارًا للأب نفقة الأولاد الصغار ويكون على الأب بالإجماع. وإن شكت الأم..... في النفقة عليهم، فينبغي للقاضي أن يسمع..... ويدفع بعض نفقة الأولاد إليها؛ لأن الأب إذا كان..... عليهم ربما يموتوا جوعًا فيدفع بعض نفقة الأولاد إليها لأنها أرفق بالأولاد فلا..... عليهم.
فإن قال الأب: إنها تدخل..... نفقة الأولاد ولا ينفق ذلك على الأولاد وتجمعهم لا يقبل قوله عليها؛ لأنها أمينة، ودعوى الجناية على الأمين لا تسمع من غير حجة. فإن قال للقاضي: سَلْ جارتها عنها، فإن القاضي يسأل عن جيرانها احتياطًا، وإنما يسأل عن كل من تداخلها؛ لأنه إنما يعرف حالها من تداخلها فإن جيرانها مثل الذي ادعى الأب...... القاضي ومنعها عن ذلك لأنه نصب ناظرًا للمسلمين، ونظر الصغار في هذا.
ومن مشايخنا رحمهم الله من قال: إذا وقعت المنازعة بين الزوجين في هذا الباب وظهر قدر النفقة فالقاضي بالخيار؛ إن شاء دفعها إلى نفقتها يدفعها إليها صباحًا ومساءً، ولا يدفعها إليها جملة، وإن شاء أمر غيرها أن تنفق على الأولاد.
قال: وإن صالحت المرأة زوجها عن نفقة الأولاد الصغار صحّ سواء كان الأب معسرًا أو موسرًا؛ لأن نفقة الصغار من الأولاد لا يسقط بعسرة الأب، ثم اختلفت عبارة المشايخ....... جاز هذا الصلح. قال بعضهم: إنما جاز لأن الأب هو العاقد من الجانبين، والأب يصلح أن يكون عاقدًا من الجانبين. ألا ترى أن الأب يبيع مال نفسه من الصغير ويشتري مال الصغير لنفسه فيكون هذا العاقد من الجانبين.
وقال بعضهم: إنما جاز؛ لأن العاقد من جانب الأب ومن جانب الصغار الأم، ونفقة الصغير من أسباب التربية والحضانة فكان للأم في ذلك ولاية قائمة جاز هذا الصلح بولاية الأب وولايتها. فبعد هذا ينظر؛ إن كان وما وقع الصلح عليه أكثر من نفقتهم، فإن كانت الزيادة مما يتغابن الناس فيه بأن كانت الزيادة زيادة تدخل تحت تقدير المقدرين في مقدار كفايتهم فإنه يكون عفوًا؛ لأنه لا يمكن التحرز عنه.
وإن كانت الزيادة بحيث لا ندخل تحت تقدير المقدرين يطرح عنه لأن الواجب مقدار الكفاية، فما زاد على قدر الكفاية لا ينسب له فيبطل، وإن كان المصالح عليه أقل من نفقتهم بأن كان لا يكفيهم يبلغ إلى مقدار كفايتهم؛ لأن الواجب على الأب مقدار ما يكفيها.
فرق بين نفقة الأولاد وبين نفقة الأقارب، فإن المعسر إذا صالح قريبه عن النفقة لا يجوز الصلح؛ لأن النفقة للأقارب لا تجب إلا على الموسر على ما يأتي بعد هذا إن شاء الله تعالى.
فهذا الصلح إنما وقع عما ليس بحق القريب فلا يصح. أما نفقة الأولاد واجبة على الأب. وإن كان الأب معسرًا فالصلح إنما وقع عمّا هو حق الأولاد فصح.
قال: رجلٌ له أولاد صغار لا مال له ولا مال للصغار هل أيضًا يفرض عليه؟ فيكتسب وينفق عليهم؛ لأن نفقة الأولاد الصغار لا تسقط بعسرة الأب. قال الله تعالى: {وعلى الموسع قدره وعلى المقتر قدره} [البقرة: 236] ثم قال الله تعالى: {من وجدكم} [الطلاق: 6] والوجد: هو الطاقة. علم أن هذه النفقة لا تسقط بالعسار ولكن يفرض عليه مقدار طاقته لما تلونا من النص.
وإن أبى الأب أن يكتسب وينفق عليهم يجبر على ذلك ويحبس، بخلاف سائر الديون، فإن الوالدين وإن عَلَو لا يحبسون بديون الأولاد وفي هذا الدين، قال يحبس.
والفرق: وهو أن في الامتناع عن الإنفاق هاهنا إتلاف النفس، والأب لا يستوجب العقوبة عن قصده إتلاف الولد كما لوعدا على ابنه بالسيف كان للابن أن يقتله، بخلاف سائر الديون.
ولو كان الأب عاجزًا عن الكسب لماله من السعاية أو كان مقعدًا يتكفف الناس وينفق عليهم. هكذا ذكر في نفقات الخصاف رحمه الله، ومن المتأخرين من قال تكون نفقة الأولاد في هذه الصورة في بيت المال؛ لأنه إذا كان بهذه الصفة تكون نفقته في بيت المال فكذا نفقة أولاده.
وذكر الخصاف في (أدب القاضي): أن في هذه الصورة يفرض القاضي النفقة على الأب ويأْمُرُ المرأة بالاستدانة على الزوج سواء التمست المرأة ذلك من القاضي أو لم تلتمس، فإذا أيسر وقدر عليه طالبته المرأة بما استدانت.
وكذلك لو كان الأب في أخذ النفقة لكنه امتنع عن النفقة على الصغير يفرض القاضي على الأب نفقة الأولاد فامتنع الأب عن (النفقة) على الأولاد فالقاضي يأمرها أن تستدين عليه وتنفق على الصغير لترجع بذلك على الأب.
قال: وكذلك إن فرض القاضي النفقة على الأب ومات الأب فتركهم بلا نفقة فاستدانت بأمر القاضي وأنفقت عليهم فإنها ترجع على الأب بذلك الإنفاق على الصغير بأمر القاضي كالإنفاق عليهم بأمر الأب، وكذلك هذا الحكم في مؤنة الرضاع إذاكان الأب معسرًا فالقاضي يأمر المرأة بالاستدانة فإذا أيسر رجعت عليه بالقدر الذي أمرها القاضي بالاستدانة لما قلنا.
وإن لم تكن المرأة استدانت بعد الفرض لكنهم كانوا يأكلون من مسألة الناس لم ترجع على الأب بشيء، لأنهم إذا سألوا وأُعطوا صار ذلك ملكًا لهم، فوقع الاستغناء عن نفقة الأب، واستحقاق هذه النفقة باعتبار الحاجة. فإذا وقع الاستغناء لهم ارتفعت الحاجة فتسقط النفقة عن الأب، فإن كانوا أُعطوا مقدار نصف الغاية سقط نصف النفقة عن الأب، وتصح الاستدانة في النصف بعد ذلك. وعلى هذا القياس فافهم.
وليس هذا في حق الأولاد خاصة بل في نفقة جميع المحارم إذا أكلوا من مسألة الناس لا يكون لهم حق الرجوع على الذي فرضت نفقتهم عليه واجب المسألة أن نفقة الأقارب لا تصير دينًا، بقضاء القاضي بل تسقط بمضي المدة، بخلاف نفقة الزوجات والفرق قد مرّ قبل هذا.
وذكر في أبواب (زكاة الجامع): أن نفقة الأقارب تصير دينًا بقضاء القاضي. واختلف المشايخ فيه: قال بعضهم، إنما اختلف الجواب لاختلاف الموضع، فموضوع المحارم ما ذكر في (الجامع) إذا استدان المقضي له بالنفقة وأنفق من ذلك فتكون الحاجة قائمة لقيام الدين. وموضوع ما ذكر في سائر المواضع: إذا أنفق مال صدقة تُصُدِّقَ بها عليها فلا تُنفى الحاجة بعد مضي المدة، وإلى هذا مال شمس الأئمة الحلواني رحمه الله في شرح كتاب النكاح. وقال بعضهم: ما ذكر في سائر المواضع محمول على ما إذا طالت المدة.
وما ذكر في (الجامع) محمول على ما إذا قصرت المدة، ونفقة الأقارب، إنما لا يصير دينًا بقضاء القاضي إذا طالت المدة، أمّا إذا قصرت يصير دينًا فكيف لا يصير دينًا؟ فإن القاضي مأمور بالقضاء بالنفقة، ولو لم يصير دينًا أصلًا لم يكن للأمر بالقضاء بالنفقة معنى وفائدة، لكن لابد من حلَ فاصلٍ بين القصر والمزيد، فقدَّروا القصر ما دون الشهر، وذكر في (الحاوي) في (الفتاوى) هذه المسألة.
وفرق بين نفقة الصبي وبين نفقة سائر المحارم فقال: نفقة الصبي تصير دينًا على الأب بقضاء القاضي، ونفقة سائر الأقارب لا تصير دينًا بقضاء القاضي، قال: فإن كان القاضي بعدما فرض نفقة الأولاد أمرها بالاستدانة فاستدانت حتى يتثبت لها حق الرجوع على الأب فمات الأب قبل أن يؤدي إليها هذه النفقة هل لها أن تأخذ من ماله إن ترك مالًا؟ ذكر الخصاف في (نفقاته): أنه ليس لها ذلك، وذكر في (الأصل): أن لها ذلك وهو الصحيح؛ لأن استدانة المرأة بأمر القاضي، وللقاضي ولاية كاملة بمنزلة استدانة الزوج بنفسه، ولو استدان الزوج بنفسه ثم مات لا يسقط عنه الدين كذا هاهنا.
هذا إذا استدانت بأمر القاضي، فأما إذا فرض القاضي نفقة الأولاد ولكن يأمرها بالاستدانة فاستدانت ثم مات الزوج قبل أن يُؤدي ذلك إليها ليس لها أن تأخذ من ماله إن ترك مالًا بالإنفاق، وقد مرّ جنس هذه الفصول في باب نفقة الزوجات، ثم قدّر محمد رحمه الله نفقة الصغير وكسوته على المعتبر بالدراهم، وهذا ليس بتقدير لازم، إنما المعتبر ما يحصل به الكفاية لكن إن موسرًا يؤمر بأن يوسع على الأولاد في النفقة والكسوة على حسبه لما يرى الحاكم، وقد مرّ نظائره في نفقة الزوجات أيضًا.
قال: وأما الذكور من الأولاد إذا بلغوا أحد الكسب ولم يبلغوا في أنفسهم، فأراد الأب أن يشغلهم في عمل ليكسبواوينفق عليهم من ذلك فله ذلك. وكذلك لو أراد الأب أن يؤاجره في عمل أو حرفةٍ فله ذلك؛ لأن فيه منفعة للصغير؛ لأن يتعلم الكسب. أما قبل أن يتعلم أو بعدما تعلّم ولكنه لا يحسن العمل فنفقته على الأب؛ لأنه إذا كان لا يحسن العمل لا يستعمل في الأعمال غالبًا وظاهرًا، فكأنه لم يتعلم أصلًا.
وأما إذاكان الولد من الإناث فليس للأب أن يؤاجرها في عملٍ أو حرفة لأن المستأجر لحلاوتها وذلك منهيٌ في الشرع، ثم في الذكور إذا أشغلهم في عمل واكتسبوا أموالًا فالأب يأخذ كسبهم وينفق عليهم من كسبهم؛ لأن ذلك ملكهم، ونفقة الولد في ماله إذا كان له مال وما فضل من نفقتها فالأب يحفظ ذلك عليهم إلى وقت بلوغهم كسائر أموالهم.
فإن كان الأب مبذرًا لا يؤمر على ذلك، فالقاضي يخرج ذلك من يده ويجعله في يد أمين ليحفظه لهم، فإذا بلغوا سلم إليهم، وهذا لا يختص بهذا المال، بل هذا الحكم في جميع أموال الصبيان.
قال: وإذا جاءت الأمة المشتركة بولد فادعاه الموليان فنفقة الولد عليهما، إذا كبر نفقة كل واحد منهما، وهذا يشكل على أصل أبي حنيفة رحمه الله ومحمد رحمه الله، فإنهما يقولان: الأب أحدهما حتى قالا: لا ينفرد أحدهما بالتصرف، مع هذا استحق كل واحد منهما نفقته أب كامل، إنما كان كذلك؛ لأنا لو أوجبنا نفقة أب واحد ما يصرف إليهما، ولا وجه إليه، إذ الأصل إلى الأب كفايته.
وأما أن يُصرف إلى أحدهما ولا وجه إليه، إذ ليس أحدهما بأولى من الآخر، فلم يبق هاهنا وجهًا سوى ما قلنا، ولهذا قلنا: لا ينفرد أحدهما بالتصرف حتى لا يكون المتصرف غير الأب يشيء.
ومما يتصل بهذا الفصل:
الكبار الذين أُلحقوا بالصغار.
قال: الرجل البالغ إذا كان ذميًا أو مقعدًا أو أشلَّ اليدين لا ينتفع بهما، أو معتوهًا أو مفلوجًا، فإن كان له مال يجب النفقة في ماله، وإن لم يكن له مال وكان له (ابنة) موسرة أو أب موسر يجب النفقة على الأب لأن الله تعالى أوجب النفقة على الوالد مطلقًا. قال الله تعالى: {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن} [البقرة: 233] إلا أنه خصّ عن هذا النص من كان له أو من كان قادرًا على الكسب، فبقي ما عداه على ظاهر النص.
وإذا طلب من القاضي أن يفرض له النفقة فعلى الأب إجابة القاضي إلى ذلك، ويدفع ما فَرَض لهم إليهم؛ لأن ذلك حقهم، ولهم ولاية استيفاء حقوقهم، وكذلك الإناث من الأولاد نفقتهن بعد البلوغ على الأب ما لم يُزوجن إذا لم يكن لهن مال؛ لأن بهن عجز ظاهر عن الاكتساب فتكن بمنزلة الزمنى من الذكور، ثم ما ذكر أن نفقة البالغين من الذكور الزمنى ومن الإناث على الأب فذلك جواب (المبسوط).
وأما على ما ذكر الخصاف في (نفقاته): يجب على الأب والأم أثلاثًا، ثلثاها على الأب وثلثها على الأم. وجه ما ذكرنا في (المبسوط): أن البالغ إذا لم يكن من أهل أن ينفق على نفسه صار هو والصغير سواء.
وجه ما ذكر الخصاف وهو الفرق بين البالغ الزَّمِنْ والصغير؛ وهو أن للأب على الصغير ولاية كماله على نفسه ولاية، فكان الصغير بمنزلة نفسه.
وغير الأب لا يشارك الأب في النفقة على نفسه فكذا في النفقة على الصغير. وأما البالغ فليس للأب عليه ولاية ليصير معني بنفسه فاعتبر كسائر المحارم فتكون نفقته باعتبار ميراثه، وميراثه يكون بينهما أثلاثًا فكذا النفقة.
ثم ذكر في (الكتاب): ما إذا كان الابن البالغ عاجزًا عن الكسب وأراد موسر وأم موسرة وأوجب جميع النفقة على الأب على رواية (المبسوط) ولم يذكر ما إذا كان الأب معسرًا إلا أنه قادر على الكسب، والابن الكبير عاجز عن الكسب وله أم موسرة هل تؤمر الأم بالإنفاق على أن ترجع بذلك على الأب؟ فمن مشايخنا من قال على قياس ما ذكر في (الكتاب): تؤمر الأم بذلك حتى ترجع على الأب فإنه قال في الولد الكبير: إذا كان عاجزًا عن الكسب فهو بمنزلة الصغير.
والصغير إذا كان له أب معسرٌ قادرٌ على الكسب وله أم موسرة تؤمر الأم بالإنفاق على أن ترجع على الأب إذا أيسر فكذا هاهنا.
ومن المشايخ من قال: لا ترجع الأم على الأب هاهنا بما أنفقت.
وفرّق هذا القائل بين الصغير والكبير الذي لا يقدر على الكسب. هكذا روي عن أبي حنيفة رحمه الله.
ووجه الفرق: وهو أن نفقة الولد الصغير على الأب وإن كان معسرًا، إلا أنه لا يمكن جبر الأب على الكسب فتؤمر الأم بالتحمل عنه فكانت الأم قاضية دينًا واجبًا على الأب، فترجع بذلك على الأب.
فأما نفقة الابن الكبير فليس على الأب إذا كان معسرًا فلم تَصِرْ الأم مؤديةً حقًا واجبًا على الأب فلا يرجع بذلك على الأب فلهذا افترقا.
قال: والصحيح الذي به قوة العمل إلا أنه لا يُحْسِنْ العمل فنفقته على الأب إذا كان لا يحسن العمل، والناس لا يأمروه بالعمل، فصار هو كالعاجز عن الكسب.
قال شمس الأئمة الحلواني رحمه الله: الرجل الصحيح قد لا يقدر على الكسب لحرفة أو لكونه من أهل البيوتات فيكون عاجزًا عن الكسب. فإذا كان هكذا كان نفقته على الأب وهكذا قالوا في طالب العلم: إذا كان لا يهتدي إلى الكسب لا تسقط نفقته على الأب بمنزلة الزَّمِنْ والأنثى، هذا الذي ذكرنا كلّه إن كان الأب حاضرًا.
وإن كان الأب غائبًا أو مفقودًا فقد قال في (الكتاب) لا يقضى بالنفقة في مال أحد إذا كان رب المال غائبًا إلا للوالدين والوالد والزوجة إذا كان المتروك من جنس حقهم، وهذا يبنى على أصل معروف أن القضاء على الغائب باطل، وإبقاء حق وجب على الغائب من ماله جائز والقضاء بنفقة الوالدين والمولودين والزوجة.....
لما وجب على الغائب، وليس بقضاء على الغائب لأن القضاء إيجاب ما لم يكن واجبًا قبل القضاء، ونفقة الوالدين والمولودين والزوجة واجبة قبل القضاء حتى إذا طعن واحد من هؤلاء يحبس حقهم كان لهم الأخذ من غيرقضاء ولا رضا. فأما نفقه سائر الأقارب لا تجب إلا بالقضاء والرضا حتى لو طعن واحد من الأقارب يحبس حقهم لم يكن لهم الأخذ إلا بقضاء أو برضا فلما كان نفقة الوالدين والمولودين والزوجة واجبة قبل القضاء كان القضاء من القاضي أيضًا لما وجب عليه الإيجاب مبتدأً فأما نفقة سائر الأقارب لما لم تكن واجبة كان القضاء إيجابًا مبتدأ أو القضاء على الغائب باطل.
قال في كتاب المفقود: القاضي متى أعطى النفقة لهؤلاء من مال الغائب إن استوثق من الأخذ فحسن لجواز أن هؤلاء أخذوا النفقة من الغائب حال حضرته أو تغيب الغائب بالنفقة إليهم فينظر القاضي للغائب حال عجز الغائب عن النظر لنفسه بنفسه، وإن لم يأخذ منه كفيلًا فهو مستقيم أيضًا، إذا ليس هاهنا..... يطلب من القاضي أخذ الكفيل وإنما يجب على القاضي أخذ الكفيل عند طلب الخصم ذلك.
ذكر شمس الأئمة السرخسي رحمه الله في شرح كتاب النكاح: أن زوجة الغائب إذا طلبت النفقة من القاقضي وللغائب مال حاضر والقاضي يعلم بذلك كلّه فرض لها القاضي النفقة بعد أن يُحلّفها أنه لم يعطيها النفقة. فإذا حلفت أعطاها النفقة وآخذ منها كفيلًا وهو الصحيح، وقد ذكرنا وجه ذلك في باب نفقة الزوجات.

.فرع على هذه المسألة:

قال إن كان للغائب عند الوالدين أو الوالد أو الزوجة قال: هو من جنس حقوقهم فأنفقوا على أنفسهم جاز ولم يضمنوا لأنهم ظفروا بجنس حقهم فكان لهم ولاية الأخذ بمقدار حقهم فإن كان عند غيرهم فأعطاهم بأمر القاضي حتى أنفقوا على أنفسهم لم يضمن صاحب اليد وإن كان أعطاهم بغير أمر القاضي كان ضامنًا له؛ لأن صاحب اليد مأمور بالحفظ ودفعه إلى غيره لينفق على نفسه ليس من الحفظ في شيء فيصير به مخالفًا ضامنًا، وهو نظير المودع إذا قضى دين المودع بالوديعة كان ضامنًا كذا هاهنا، وكان الحاكم الإمام أبي إسحاق..... رحمه الله يقول في المودع: إذا قضى دين المودع بالوديعة أنه لا يضمن.
والصحيح أنه يضمن، وأشار إليه محمد رحمه الله في كتاب الوديعة، هذا إذا كان ما تركه الغائب من جنس حقهم. فأما إذا لم يكن من جنس حقهم فأرادوا أن يبيعوا شيئًا من مال الغائب بنفقتهم أجمعوا على أن سوى الوالد بمحتاج لا يملك بيع عقار الغائب ولا يبيع عروضه بالنفقة. وأما الأب المحتاج يمنع بيع المنقول بالنفقة استحسانًا ولا يملك بيع العقار إلا إذا كان الولد الغائب صغيرًا، وهذا قول أبي حنيفة رحمه الله في كتاب المفقود. وكذلك قياس قوله في المفقود.
والقياس: أن لا يملك الأب البيع على ابنه الكبير الغائب في العقار ونحوه كما لا يملك غير الأب، وأجمعوا على أن حال حضرة من يجب عليه النفقة ليس لأحد ممن يستحق النفقة بيعُ العروض والعقار.
وجه القياس في ذلك: وهو أن ولاية الأب تنقطع ببلوغ الصبي رشيدًا إلا فيما يبيعه تحصينًا لولده الغائب، فإن الابن إذا بلغ وهو غائب فللأب ولوصي الأب بيع عروضه تحصينًا على الغائب، وهاهنا هو لا يبيع تحصينًا على الغائب، إنما يمنع لنفسه وليس له هذه الولاية.
وجه الاستحسان: وهو أن ولاية الأب وإن دلّ بالبلوغ ولكن بقي أثره، ولهذا صح منه الاستيلاد في جارية الابن فلبقاء أثر الولاية أثبتنا له ولاية بيع العروض؛ لأن بيع العروض من الحفظ؛ لأنه يخشى عليه التلف وحفظ الثمن أيسر، وولاية الحفظ ثبتت لمن لا يثبت له ولاية التصرف كما قلنا في الوطء في حق الوارث الكبير الغائب، فكذلك الأب فيعُدُّ بيع بيع الثمن من جنس حقه، فله أن يأخذ منه مقدار النفقة، فأما العقار محصنة بنفسها فلم يكن بيعها بحق الحفظ لو كان بحق الولاية وقد زالت الولاية بالبلوغ عن عقدٍ بخلاف الأم وسائر الأقارب؛ لأنه لم يكن لهم ولاية التصرف حالة الصغر ليبقى أثر تلك الولاية بعد البلوغ فلم يجز بيعهم، أما هاهنا بخلافه.
فأما إذا أراد القاضي أن يتولى البيع في هذه الصورة بنفسه ليس له ذلك عند الكل لا في العروض ولا في العقار ولا في النفقة ولا في سائر الديون. وقد ذكرنا هذا في نفقة الزوجات. هذا الذي ذكرنا إذا كان الحال معلومًا للقاضي، فأما إذا لم يكن فالقاضي ماذا يصنع فوجوه ذلك قد مرّ في نفقة الزوجات أيضًا.
هذا الذي ذكرنا حالة حياة الأب، فإن كان الأب قد مات وترك أموالًا وأولادًا صغارًا كان نفقة الأولاد من أنصبائهم لأنهم أغنياء وكذلك كل ما يكون وارثًا فنفقته في نصيبه، وكذلك امرأة الميت تكون نفقتها في حصتها من الميراث حائلًا كانت أو حاملًا.
بعد هذا ينظر إن كان الميت قد أوصى إلى رجلٍ، قالوا: ينفق على الصغار من أنصبائهم. فإن كان الميت لم يؤمن إلى أحد فالقاضي يفرض لكل واحد من الصغار في نصيبه بقدر ما يحتاج إليه من النفقة على قدر سعة أموالهم وضعفها، ويشتري للصغير خادمًا إن كان يحتاج إلى الخادم؛ لأنه من جملة مصالحه. والقاضي نصب لأقامة مصالح كل من عجز عن الإقامة بنفسه. فكذا كل من كان من المصالح فالقاضي يشتري ذلك للصغير من نصيبه، ولم يذكر في هذه المسألة أن القاضي ينصب لهم وصيًا إذا لم يكن الميت أوصى إلى أحدٍ وذكر في المسألة التي تلي هذه المسألة. وذكره في تلك المسألة يكون ذكرًا في هذه المسألة قال:
وإن كان الميت لم يوصِ إلى أحد وله أولاد كبار وصغار فنفقة كل واحد منهم يكون في نصيبه لما ذكرنا، وينصب القاضي وصيًّا في ماله، لأن للقاضي أن ينصب الوصي في مال الميت في ثلاث مواضع:
أحدها: أن يكون على الميت دين.
والثاني: أن يكون الميت أوصى......
والثالث: أن يكون الورثة صغارًا، وهاهنا في الورثة الصغار.
فكان للقاضي أن ينصب وصيًا، فإن لم يكن في البلد قاض فأنفق الكبار على الصغار، وأيضًا: الصغار كانوا متطوعين في هذه النفقة لأنه لا ولاية لهم على الصغار في مالهم، وهذا في الحكم، أما فيما بينهم وبين الله تعالى لا ضمان عليهم لأنهم احتسبوا فيما فعلوا.
ونظير هذا ما ذكر في كتاب الوديعة: أن للمودع إذا باع اللبن من غير استطلاق رأي القاضي وفي المصر قاضي ضمن، وإن كان..... وذكر في (النوادر): إذا لم يكن في الموضع يمكنه استطلاق رأي القاضي لا يضمن استحسانًا. وكذلك قال مشايخنا في الرجلين في سفر فأغمي على أحدهما، فأنفق الآخر على المغمى عليه من مال المغمى عليه لم يضمن استحسانًا.
وكذا إذا مات فجهزه صاحبه من ماله لم يضمن استحسانًا. وكذا العبيد المأذونون في التجارة إذا كانوا في البلاد فمات مواليهم فأنفقوا في الطريق لم يضموا استحسانًا. وكذا روي عن مشايخ بلخ أنهم قالوا: إذا كان للمسجد أوقاف ولم يكن لها متولي فقام واحد من أهل المحلة في جميع غلة الأوقاف وأنفق على المسجد فيما يحتاج إليه من الحصير والحشيش لا يضمن استحسانًا فيما بينه وبين الله تعالى.
وحكى عن محمد بن الحسن رحمه الله أنه مات واحد من تلامذته فباع محمد رحمه الله كتبه وأنفق في تجهيزه، فقيل له: ألم..... بذلك فتلا محمد رحمه الله قول الله تعالى: {والله يعلم المفسد من المصلح} [البقرة: 220] فكان على قياس هذا فلا ضمان عليه فيما بينه وبين الله تعالى استحسانًا. أما في الحكم ضامن لما قلنا.
قال: لو كان الكبار أنفقوا على الصغار ثم لم يقروا بذلك ببيعه نصيبهم وسعهم ذلك، ولو اختلفوا على ذلك؛ قال في (الكتاب): رجوت أن لا يكون عليهم شيء.
نظير هذا إذا عرف الوصي الدين على الميت فقضاه ولم يقرّ بذلك ولم يعرفه القاضي ولا الورثة لا يأثم فيما فعل وكذلك إذا كان لرجل عند رجل وديعة وعلى المودع مثل تلك الوديعة، والمودع يعلم أنه مات ولم يقبض دينه ليسمح للمودع أن يقضي ذلك الدين بماله ولا يقربه.
وكذلك إذا كان على زيد لعمروٍ دين، وعلى عمرو مثل ذلك دين لرجل آخر فمات عمرو، وزيد يعرف أن عمرو لم يقض ليسع لزيد أن يقضي دين عمرو، وبما لعمرو على زيد، ولا تجبر ورثته بذلك.
وكذلك إذا مات الرجل ولم يوصِ إلى أحد وله أولاد صغار، وله مال وديعة عند رجل ليس للمودع في الحكم أن ينفق عليهم، ويحتسب بذلك من مال الميت، ولكن إذا فعل وحلف أنه ليس لهم عليه حق رجوت أن لا يكون عليه شيء إن شاء الله؛ لأنه لم يرد بهذا إلا الإصلاح، وإنه موافق لما روينا عن محمد رحمه الله.

.النوع الثاني فيما لا يجب على الآباء من نفقة الأولاد:

قال: وإذا تزوج العبد أو المدبر أو المكاتب امرأة بإذن المولى فولدت امرأته أولادًا لا يجبر على نفقة الأولاد سواء كانت أمهم حرة أو أمة أو مدبرة أو أم ولد أو مكاتبة؛ لأن ما يستحق الولد من النفقة صلة محضة، وما كان صلة محضة لا يستحق على هؤلاء، وهذا بخلاف نفقة المرأة؛ لأنها صلة من وجه، عوض من وجه، وما كان صلة من وجه عوضًا من وجه جاز أن يستحق على هؤلاء من حيث إنه عوض.

.فرع على هذا في الكتاب:

فقال: إذا لم يجب على الأب نفقة الأولاد، على من يجب؟ ففيما إذا كانت المرأة مكاتبة فنفقة الأولاد عليها؛ لأن الولد تابع للأم في كتابتها، فكان كالمملوك لها، ألا ترى أن كسبه لها وأرش الجنابة عليه لها، وميراثه إن مات لها. فإذا كان كالمملوك لها كان نفقته..... عليها إذا كانت المرأة مدبرة أو أم ولد فأولاد..... وتكون نفقتهم على مولاهما وهو مولى أم الولد، والمدبرة فيما إذا كانت أَمَةُ رجل آخر فنفقة الأولاد على مولى الأمة؛ لأن أولادها أَرِقّاء لمولى الأمة، فتكون نفقتهم على مولى الأمة.
وفيما إذا كانت المرأة حرة فنفقة الأولاد على الأم إن كان للأم مال، وإن لم يكن لها مال فنفقة الأولاد على من يرث الأولاد الأقرب فالأقرب. وكذلك الحر إذا تزوج أمة أو مكاتبة أو أم ولد فالجواب فيه كالجواب في العبد والمدبر والمكاتب على ما ذكرنا.

.فرع على مسألة الحر:

فقال: إن كان مولى الأمة وأم الولد والمدبرة، وأب الأولاد غنيٌّ هل يؤمر الأب بالإنفاق، فإن كان الولد من الأمة لا يؤمر الأب بذلك لأن ابنه مملوك مولى الجارية، فأما أن يبيعه مولاه أن ينفق عليه على ما يأتي بعد هذا في موضعه إن شاء الله تعالى.
وإن كان الولد من أم ولد أو مدبرة فإن هاهنا يؤمر الأب بالإنفاق عليهم؛ لأن هاهنا لا يمكن أن يجبر المولى على بيعهم، فتعين طريق إيصال النفقة إليهم، أمر الأب بذلك.
قال: رجل كاتب عبده وأمته فزوجها منه، فولدت ولدًا فنفقة الولد على الأم دون الأب؛ لما ذكرنا: أن ولدها كالمملوك لها.
هذا بخلاف ما لو وطئ المكاتب أمة نفسه فولدت له ولدًا، فإن نفقة ذلك الولد على المكاتب لأنه داخل في كتابته حتى كان كسبه له، وأرش الجنابة عليه له أيضًا، ليس للأم، فكان الولد كالمملوك للمكاتب، فتكون نفقته على المكاتب.
قال: وإذا تزوج المكاتب أمة رجل فولدت منه ولدًا أو لم تلد حتى اشتراها المكاتب فولدت ولدًا فنفقة الأولاد على المكاتب؛ لأن الأمة صارت كسبًا للمكاتب، وأولاده من كسبه مكاتبون عليه فصاروا بمنزلة أرقائه.

.النوع الثالث فيما يجب من نفقات الوالدين:

قال: ويجبر الرجل الموسر على نفقة أبيه وعلى نفقة أمه. وإذا كانا محتاجين لقوله تعالى: {ووصينا الإنسان بوالديه حسنًا} [العنكبوت: 8] فقد أوجب على الولد الإحسان لوالديه، ورأس الإحسان بوالديه إحيائهما، وذلك بالإنفاق عليهما، وقال عليه السلام: «إن أطيب ما يأكل الرجل من كسبه وإن ولده لمن كسبه، كلوا من كسب أولادكم إذا احتجتم إليه بالمعروف» ولأن للأب في مال الابن حق الملك، قال عليه السلام: «أنت ومالك لأبيك» وله كان له فيه حقيقة الملك كانت نفقته في ماله، فكذا إذا كان له حق الملك، إلا أنه إنما يجب عليه إنفاقهما إذا كان موسرًا؛ لأن نفقة الأقارب صلة محضة والصلات المالية ما شرعت إلا على أهل الثروة واليسار، واعتبره بصدقة الفطر والأضاحي.
هكذا ذكر شيخ الإسلام خواهر زاده رحمه الله وشمس الأئمة السرخسي رحمه الله، والخصاف رحمه الله في (كتابه) اعتبر القدرة على الإنفاق ولم يعتبر اليسار، حتى إذا كان في كسب الابن فضلٌ عن قوته يجبر الابن على أن ينفق على أبيه من ذلك الفضل وهو موافق (لقوله) عليه السلام: «كلوا من كسب أولادكم».
قال: فإن كان الأولاد ذكورًا وإناثًا موسرين فنفقة الأبوين عليهم بالسوية في أظهر الروايتين، وروى الحسن عن أبي يوسف عن أبي حنيفة رحمهم الله أن النفقة بين الذكور والإناث أثلاثًا قياسًا على الميراث واعتبره بنفقة ذوي الأرحام.
وجه الرواية الأخرى وهو الأصح: أن استحقاق الأبوين باعتبار حق الملك لهما في مال الولد لما روينا من الحديث. وفي هذا الذكور والإناث سواء، ولهذا ثبت لهما هذا الاستحقاق مع اختلاف المسألة عندنا وإن انعدم التوارث بسبب اختلاف المسألة، ثم يفرض على الابن نفقة الأب إذا كان محتاجًا والابن موسرًا سواء كان الأب قادرًا على الكسب أو لم يكن. هكذا ذكر خواهر زاده في (شرح المبسوط).
وذكر شمس الأئمة السرخسي رحمه الله في (شرح أدب القاضي) للخصاف أن الأب إذا كان كسوبًا والابن أيضًا كسوب يجد الابن على الكسب والنفقة على الأب. وذكر شمس الأئمة الحلواني رحمه الله في (أدب القاضي) للخصاف أنه لا يجبر الابن على نفقة الأب إذا كان الأب قادرًا على الكسب فاعتبره بذي الرحم المحرم، فإنه لا يستحق النفقة في كسب قريبه ولا على قريبه الموسر إذا كان هو كسوبًا، وهذا لأن استحقاق النفقة على الأقارب عندنا: الفقر والحاجة، فإذا كان قادرًا على الكسب كان غنيًا باعتبار الكسب، فلا ضرورة إلى إيجاب النفقة على الغير ثم على ما ذكر خواهر زاده وشمس الأئمة السرخسي رحمهما الله يحتاج إلى الفرق بين نفقة الولد وبين نفقة الوالد، فإن الولد إذا كان ذكرًا بالغًا وهو قادر على الكسب لا يجب على الأب نفقته.
والفرق: وهو أن استحقاق نفقة الأقارب باعتبار الحاجة، وللأب زيادة فضلة على الولد في الاستحقاق باعتبار الحاجة، فإنه يستحق مال ولده بالحاجة الضرورية، وهي الحاجة إلى النفقة. وبغير الحاجة الضرورية كالاستيلاد، والولد لا يستحق مال الوالد إلا بالحاجة الضرورية وهي الحاجة إلى النفقة. فلو شرط عجز الأب عن الكسب لاستحقاق النفقة على الابن كما شرح في حق الابن لوقعت المساواة بينهما في الاستحقاق بسبب الحاجة. وهذا مما لا وجه له ولا سبيل إليه.
فالحاصل: أن في نفقة الوالدين يعتبر الفقر لا غير على ما هو (ظاهر الرواية) إلا على قول شمس الأئمة الحلواني رحمه الله.
قال: رجل، وله ابنان أحدهما موسر مكثر والآخر متوسط الحال كانت نفقة الأب عليهما، يجعل على الموسر المكثر من ذلك أكثر مما يجعل على الآخر هكذا ذكر الخصاف في (أدب القاضي) وفي (نفقاته)، وذكر محمد رحمه الله في (المبسوط) وقال: يكون بينهما على السواء لأن العبرة لليسار، وكل واحد منهما موسر، فكانت النفقة عليهما على السواء.
قال شمس الأئمة الحلواني رحمه الله: قال مشايخنا رحمهم الله: إنما تكون النفقة عليهما على السواء إذا تفاوتا في اليسار تفاوتًا يسيرًا. أما إذا تفاوتا فاحشًا يجب أن يتفاوتا في قدر النفقة. ثم إذا قضى القاضي بالنفقة عليهما فيأمر أحدهما أن يعطي الأب ما يجب عليه، فالقاضي يأمر الآخر بأن يعطي كلّ النفقة ثم يرجع على الآخر بحصته لأنه لو لم يكن إلا هو كان كل النفقة عليه. فإذا وقع العجز عنها من جهة الأخ يؤخذ كل ذلك منه ثم هو يرجع على الأخ بحصته. قال: وإذا كان للرجل المعسر زوجة ليست أم ابنه الكبير لم يجبر الابن على أن ينفق على امرأة أبيه. وكذلك أم ولده وأمته فلا يجبر الابن على نفقة هؤلاء، وهذا لأن نفقة الأب إنماوجبت بسبب القرابة ولا قرابة بينه وبين امرأة أبيه وبين أم ولده وأمته، فلا يجبر على النفقة عليهما إلا أن يكون بالأب علة لا يقدر على خدمة نفسه، فيحتاج إلى خادم يقوم بشأنه ويخدمه فحينئذ يجبر الابن على نفقة خادمة الأب منكوحة كانت أو أمة؛ لأن الأب لا يستغني عنها فصار ذلك من فروض حاجة الأب، فصار كنفقة الأب، فجاز أن يستحق بقرابة الأب.
هكذا ذكر الخصاف في (أدب القاضي) فعلى هذا لا يحتاج إلى الفرق بين امرأة الأب وبين امرأة الابن، فإن الابن إذا كان معسرًا وكان عاجزًا عن خدمة نفسه بأن كان زَمِنًَا أو صغيرًا بحيث لا يأكل وحده ولا يشرب وحده يفرض نقد خادمة على الأب، وإن كان صحيح اليدين يمكنه خدمة نفسه لا يفرض كما في الأب.
وذكر هشام في (نوادره) عن أبي يوسف رحمهما الله أنه يفرض نفقة امرأة الأب على ابنه إذا كانت المرأة عنده مطلقًا، فعلى هذا يحتاج إلى الفرق بين امرأة الأب وبين امرأة الابن.
ووجه الفرق بينهما: وهو أن نفقة الأب تشبه نفقة المرأة من وجه حتى يستحق مع ضرب غنيه بأن كان الأب قادرًا على الكسب ثم يفرض نفقة خادم المرأة على الزوج على كل حال، فكذا نفقة خادم الأب.
أما نفقة الابن صلة محضة لا تشبه نفقة المرأة بوجهٍ ما، حتى لا يستحق مع ضرب عينيه بأن كان الابن قادرًا على الكسب فكانت نفقة الولد نظير نفقة سائر الأقارب، تجب نفقة القريب ولا تجب نفقة الخادم كذا هاهنا.
قال: ولو أن امرأة معسرة لها ابن موسر ولها زوج معسر، وليس هو أب الابن كان نفقتها على زوجها، ونفقة الزوجة لا تسقط بالعسار على ما مرّ في نفقات الزوجات إلا أن هاهنا يؤمر الابن أن يقرضها على زوجها، فإذا أيسر الزوج رجع عليها بما أقرضها؛ لأن الزوجية تسقط النفقة عن ذوي المحارم، ألا ترى أن الأب يفرض عليه نفقة ابنته المراهقة، فإذا زوجها سقطت عنه نفقتها إلا أنه تعذر إيصال النفقة إليها من جهة الزوج بعسرته وتعذر فرض النفقة على الابن كما ذكرنا، فيؤمر الابن بالإقراض؛ لأنه أقرب إليها، وهي محتاجة إلى الاستدانة فيستدين من أقرب الناس إليها.
فإن لابن الابن أن يقرضها النفقة. قال الخصاف في (أدب القاضي): قال الحسن بن زياد رحمه الله فرضت على الابن نفقتها وأخذته بذلك. والمراد منه أبى من القرض المذكور هنا هو الجبر على الإقراض لا القرض بطريق الإيجاب كما ذكرنا: أن الزوجية تسقط النفقة عن المحارم، وإنما ذكرنا قول الحسن؛ لأنه لم يحفظ في هذا رواية عن أبي حنيفة رحمه الله، وذكر الخصاف هذه المسألة في (نفقاته) إلا أن هناك وضع المسألة في الزوج مع الأخ، وفي الزوج مع الأب. وذكر هناك أن الأخ الموسر أو الأب الموسر إذا امتنع عن الإقراض يحبس؛ لأن هذا من المعروف؛ لأن كل نفقة معروف وصلة فيجوز أن يحبس في الأمر بالمعروف.
وفي (القدوري): وضع المسألة في الزوج مع الأخ، وقال أجبرت الأخ على نفقتها، ويرجع على الزوج، ثم الأصل في نفقة الوالدين والمولودين أنه يعتبر القرب والجزئية ولا يعتبر الميراث. وإذا استويا في القرب يجب على من له نوع رحجان، وإذا لم يكن لأحدهما رجحان فحينئذ تجب النفقة بقدر الميراث.
بيان هذا الأصل: إذا كان للفقير والد وابنُ ابنٍ موسرين فالنفقة على الوالد لأنه أقرب. وإذا كان له بنت وابنُ ابنٍ فالنفقة على البنت خاصة وإن كان الميراث بينهما لأن البنت أقرب. وإن كان له بنت بنت أو ابن بنت وله أخ لأب وأم فالنفقة على ولد الابنة ذكرًا كان أو أنثى وإن كان الميراث للأخ لا لولد الابنة فعلم أن العبرة لقرب القرابة والجزئية وإن سفل، ولد الولد وبنت الولد أو ولد ابن فهم سواء في النفقة عليهم دون الأخ لما قلنا. ولو كان له والد وولد وهما موسران فالنفقة على ولده وإن استويا في القرب الابن يرجح باعتبار تأويل الثالث له في مال ولده، ولو كان جد وابن ابن فالنفقة عليهما على قدر ميراثهما، على الجد السدس والباقي على ابن الابن.
ثم استشهد في (الكتاب) لبيان أن العبرة في نفقة الوالدين والمولودين للقرب والجزئية دون الإرث بمسائل: منها إن المعسر المسلم إذا كان له ابنان موسران أحدهما مسلم والآخر ذمي فنفقته عليهما جميعًا بالسوية وإن كان الإرث لا يجري بين المسلم والكافر. وكذلك إذا كان للرجل الفقير ابنة وأخت لأب وأم وهما موسران فالنفقة على البنت وإن كانا تستويان في الميراث.
وإذا كان للفقير ابن نصراني وله أخ مسلم وهما موسران فالنفقة على الابن، وإن كان الميراث للأخ. وكذا إذا كان للفقير ابنة ومولى عتاقه وهما موسران فالنفقة على الابنة وإن كانا يستويان في الميراث. وكذا المعسرة إذا كانت لها ابنة وأخت لأب وأم فالنفقة على ابنتها. وإن كانتا تشتركان في الميراث.
قال: الرجل إذا كان محتاجًا وله ابن كبير فطلب الأب منه النفقة ونازعه في ذلك إلى القاضي فإن القاضي لا يجبر الابن على نفقة الأب إلا أن يعلم أنه يطيق. وفي بعض النسخ إلى أن يعلم أنه مصطلح لذلك أي قادر عليه. وهذا لأن شرط وجوب الإنفاق والقدرة على الإنفاق فالأب يدعي على الابن النفقة بواسطة شرطه، وهو ينكر، فعلى الأب أن يثبت الشرط بالحجة، فإن قال الأب: إنه يكسب ما يقدر على أن ينفق منه فإن القاضي ينظر في كسب الابن، فإن كان فيه فضل عن قوته يجبر الابن على أن ينفق على أبيه من ذلك الفضل لأن شرط وجوب النفقة على الولد القدرة على الإنفاق وقد وجد، وإن لم يكن في ذلك فضل عنه فلا شيء عليه في الحكم، لكن يؤمر من حيث الديانة أن لا يضيع والده. وقال بعض العلماء يجبر الابن على أن يدخل الأب في قوته إذا كان ما نصب الابن من ذلك القوت يقوم معه بدنه ولا يضره إضرارًا يمنعه من الكسب، وروي عن أبي يوسف رحمه الله أن على الابن في هذه الصورة أن يضمن الأب إلى نفسه لأنه لو لم يفعل ضاع الأب. ولو فعل لا يخشى الهلاك على الولد والأب إذ لا يملك على نصف يطلبه إلا أن في ظاهر الرواية عن أصحابنا رحمهم الله: لا يجبر على ذلك. لقوله عليه السلام: «ابدأ بنفسك ثم بمن تعول» هذا الذي ذكرنا إذاكان الابن وحده.
أمّا إذا كان للابن زوجة وأولاد صغار وباقي المسألة بحالها فالقاضي يجبر الابن على أن يدخل الأب في كسبه ويجعله كأحد العيال الذين ينفق عليهم ولا يجبره أن يعطي له شيئًا على حدة.
فرق بين هذا وبينما إذا كان الابن وحده، والفرق: هو أن الابن إذا كان يكتسب مقدار ما يكفي له ولزوجته وأولاده الصغار فإذا دخل الأب في طعامهم يقل الضرر؛ لأن طعام الأربعة إذا فرق على الخمسة لا يتضرر كل واحد منهم إضرارًا فاحشًا. أما إذا دخل الواحد في طعام الواحد يتفاحش الضرر.
فإن قال الأب: إن ولدي هذا كسوب يقدر على أن يكسب مقدار ما يكفيه ويكفيني، لكنه ذرع العمل عمدًا كيلا يفضل منه ما يعطيني شيئًا منه، يريد بذلك عقوقي نظر القاضي فيما قال. وطريق النظر: أن يسأل من أهل حرفته لأن لهم نظرًا في هذا الباب فإن ظهر للقاضي أن الأمر على ما قاله الأب أجبر الابن على نفقة أبيه وأخذ بذلك لأنه فضل الإضرار بالأب. وهذا كله إذا لم يكن الأب كسوبًا. وأما إذا كان الأب كسوبًا هل يجبر الابن على الكسب والنفقة فقد ذكرنا فيه الاختلاف قبل هذا فلا نعيد، فإن كان للأب مسكن أو دابة فالمذهب عندنا أن يفرض النفقة على الابن إلا أن يكون في المسكن فضل عران يكفيه أو يسكن ناحية منه فحينئذ يؤمر الأب ببيع لفضل والإنفاق على نفسه فإذا آل الأمر إلى الناحية التي يسكنها الأب يفرض نفقته حينئذ على الابن، وكذا إذا كانت للأب دابة نفيسه يؤمر أن يبيع الفضل ويشتري الأَوْكَس وينفق الفضل على نفسه، فإذا آل الأمر إلى الأوكس يفرض النفقة على الابن ويستوي في هذا الوالدين والمولودين وسائر المحارم هو الصحيح من المذهب.
فإن فرض القاضي نفقة الأب على الابن الموسر كل شهر كذا أو فرض الكسوة للأب على الابن كل سنة فتخرقت الكسوة ولم تبق النفقة قبل مضي الوقت أو بقيت الكسوة وشيء من النفقة بعد مضي الوقت. وقد مرّ هذا في الفرق بين نفقة الأقارب وكسوتهم وبين نفقة الزوجات وكسوتهن في باب نفقة الزوجات فلا نعيد.
قال فإن طلب الأب النفقة من ولده فقال الابن: هو غني، وقال الأب: أنا فقير. قال في (المنتقى) روى بشر عن أبي يوسف رحمهما الله: أنه يسأل عن حال الأب، فإن أخبر أنه فقير يجعل عليه النفقة، وإن قالوا: لا ندري لا يجعل على الابن النفقة ما لم يقم الأب البينة أنه فقير فلم يحكم بقبول قول الأب أنه فقير، وإن كان الظاهر شاهدًا للأب؛ لأن الأصل في الأدمي هو الفقر إلا أن الأب بهذا الظاهر يريد إثبات الاستحقاق على الابن، والظاهر لا يصلح حجة لإثبات الاستحقاق، وإن أقاما جميعًا البينة فالبينة بينة الأب؛ لأن بينة الأب ثبتت الاستحقاق على الابن وبينة الابن تنفي ذلك، فكانت بينة الأب أولى بالقبول.
وذكر في (شرح القدوري) في الأب إذا أنفق من مال الابن حال غيبة الابن ثم خصّ الابن فقال الابن للأب: كنت موسرًا وقت الإنفاق من مالي، وقال الأب: كنت معسرًا نظر إلى حال الأب وقت الخصومة؛ لأن الحال يصلح دليلًا على الماضي وله أمثلة في الشرع، كمسألة الطاحونة وغيرها.
فإن أقاما البينة فالبينة بينة الابن؛ لأن شهود الابن يثبتون الرجوع على الأب بما أنفق، وشهود الأب ينفون ذلك، والإثبات أولى من النفي في باب البينات.
ومما يتصل بهذا الفصل:
الكبار الذين أُلحقوا بالصغار.
قال: الرجل البالغ إذا كان ذميًا أو مقعدًا أو أشلَّ اليدين لا ينتفع بهما، أو معتوهًا أو مفلوجًا، فإن كان له مال يجب النفقة في ماله، وإن لم يكن له مال وكان له (ابنة) موسرة أو أب موسر يجب النفقة على الأب لأن الله تعالى أوجب النفقة على الوالد مطلقًا. قال الله تعالى: {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن} [البقرة: 233] إلا أنه خصّ عن هذا النص من كان له أو من كان قادرًا على الكسب، فبقي ما عداه على ظاهر النص.
وإذا طلب من القاضي أن يفرض له النفقة فعلى الأب إجابة القاضي إلى ذلك، ويدفع ما فَرَض لهم إليهم؛ لأن ذلك حقهم، ولهم ولاية استيفاء حقوقهم، وكذلك الإناث من الأولاد نفقتهن بعد البلوغ على الأب ما لم يُزوجن إذا لم يكن لهن مال؛ لأن بهن عجز ظاهر عن الاكتساب فتكن بمنزلة الزمنى من الذكور، ثم ما ذكر أن نفقة البالغين من الذكور الزمنى ومن الإناث على الأب فذلك جواب (المبسوط).
وأما على ما ذكر الخصاف في (نفقاته): يجب على الأب والأم أثلاثًا، ثلثاها على الأب وثلثها على الأم. وجه ما ذكرنا في (المبسوط): أن البالغ إذا لم يكن من أهل أن ينفق على نفسه صار هو والصغير سواء.
وجه ما ذكر الخصاف وهو الفرق بين البالغ الزَّمِنْ والصغير؛ وهو أن للأب على الصغير ولاية كماله على نفسه ولاية، فكان الصغير بمنزلة نفسه.
وغير الأب لا يشارك الأب في النفقة على نفسه فكذا في النفقة على الصغير. وأما البالغ فليس للأب عليه ولاية ليصير معني بنفسه فاعتبر كسائر المحارم فتكون نفقته باعتبار ميراثه، وميراثه يكون بينهما أثلاثًا فكذا النفقة.
ثم ذكر في (الكتاب): ما إذا كان الابن البالغ عاجزًا عن الكسب وأراد موسر وأم موسرة وأوجب جميع النفقة على الأب على رواية (المبسوط) ولم يذكر ما إذا كان الأب معسرًا إلا أنه قادر على الكسب، والابن الكبير عاجز عن الكسب وله أم موسرة هل تؤمر الأم بالإنفاق على أن ترجع بذلك على الأب؟ فمن مشايخنا من قال على قياس ما ذكر في (الكتاب): تؤمر الأم بذلك حتى ترجع على الأب فإنه قال في الولد الكبير: إذا كان عاجزًا عن الكسب فهو بمنزلة الصغير.
والصغير إذا كان له أب معسرٌ قادرٌ على الكسب وله أم موسرة تؤمر الأم بالإنفاق على أن ترجع على الأب إذا أيسر فكذا هاهنا.
ومن المشايخ من قال: لا ترجع الأم على الأب هاهنا بما أنفقت.
وفرّق هذا القائل بين الصغير والكبير الذي لا يقدر على الكسب. هكذا روي عن أبي حنيفة رحمه الله.
ووجه الفرق: وهو أن نفقة الولد الصغير على الأب وإن كان معسرًا، إلا أنه لا يمكن جبر الأب على الكسب فتؤمر الأم بالتحمل عنه فكانت الأم قاضية دينًا واجبًا على الأب، فترجع بذلك على الأب.
فأما نفقة الابن الكبير فليس على الأب إذا كان معسرًا فلم تَصِرْ الأم مؤديةً حقًا واجبًا على الأب فلا يرجع بذلك على الأب فلهذا افترقا.
قال: والصحيح الذي به قوة العمل إلا أنه لا يُحْسِنْ العمل فنفقته على الأب إذا كان لا يحسن العمل، والناس لا يأمروه بالعمل، فصار هو كالعاجز عن الكسب.
قال شمس الأئمة الحلواني رحمه الله: الرجل الصحيح قد لا يقدر على الكسب لحرفة أو لكونه من أهل البيوتات فيكون عاجزًا عن الكسب. فإذا كان هكذا كان نفقته على الأب وهكذا قالوا في طالب العلم: إذا كان لا يهتدي إلى الكسب لا تسقط نفقته على الأب بمنزلة الزَّمِنْ والأنثى، هذا الذي ذكرنا كلّه إن كان الأب حاضرًا.
وإن كان الأب غائبًا أو مفقودًا فقد قال في (الكتاب) لا يقضى بالنفقة في مال أحد إذا كان رب المال غائبًا إلا للوالدين والوالد والزوجة إذا كان المتروك من جنس حقهم، وهذا يبنى على أصل معروف أن القضاء على الغائب باطل، وإبقاء حق وجب على الغائب من ماله جائز والقضاء بنفقة الوالدين والمولودين والزوجة.....
لما وجب على الغائب، وليس بقضاء على الغائب لأن القضاء إيجاب ما لم يكن واجبًا قبل القضاء، ونفقة الوالدين والمولودين والزوجة واجبة قبل القضاء حتى إذا طعن واحد من هؤلاء يحبس حقهم كان لهم الأخذ من غيرقضاء ولا رضا. فأما نفقه سائر الأقارب لا تجب إلا بالقضاء والرضا حتى لو طعن واحد من الأقارب يحبس حقهم لم يكن لهم الأخذ إلا بقضاء أو برضا فلما كان نفقة الوالدين والمولودين والزوجة واجبة قبل القضاء كان القضاء من القاضي أيضًا لما وجب عليه الإيجاب مبتدأً فأما نفقة سائر الأقارب لما لم تكن واجبة كان القضاء إيجابًا مبتدأ أو القضاء على الغائب باطل.
قال في كتاب المفقود: القاضي متى أعطى النفقة لهؤلاء من مال الغائب إن استوثق من الأخذ فحسن لجواز أن هؤلاء أخذوا النفقة من الغائب حال حضرته أو تغيب الغائب بالنفقة إليهم فينظر القاضي للغائب حال عجز الغائب عن النظر لنفسه بنفسه، وإن لم يأخذ منه كفيلًا فهو مستقيم أيضًا، إذا ليس هاهنا..... يطلب من القاضي أخذ الكفيل وإنما يجب على القاضي أخذ الكفيل عند طلب الخصم ذلك.
ذكر شمس الأئمة السرخسي رحمه الله في شرح كتاب النكاح: أن زوجة الغائب إذا طلبت النفقة من القاقضي وللغائب مال حاضر والقاضي يعلم بذلك كلّه فرض لها القاضي النفقة بعد أن يُحلّفها أنه لم يعطيها النفقة. فإذا حلفت أعطاها النفقة وآخذ منها كفيلًا وهو الصحيح، وقد ذكرنا وجه ذلك في باب نفقة الزوجات.

.فرع على هذه المسألة:

قال إن كان للغائب عند الوالدين أو الوالد أو الزوجة قال: هو من جنس حقوقهم فأنفقوا على أنفسهم جاز ولم يضمنوا لأنهم ظفروا بجنس حقهم فكان لهم ولاية الأخذ بمقدار حقهم فإن كان عند غيرهم فأعطاهم بأمر القاضي حتى أنفقوا على أنفسهم لم يضمن صاحب اليد وإن كان أعطاهم بغير أمر القاضي كان ضامنًا له؛ لأن صاحب اليد مأمور بالحفظ ودفعه إلى غيره لينفق على نفسه ليس من الحفظ في شيء فيصير به مخالفًا ضامنًا، وهو نظير المودع إذا قضى دين المودع بالوديعة كان ضامنًا كذا هاهنا، وكان الحاكم الإمام أبي إسحاق..... رحمه الله يقول في المودع: إذا قضى دين المودع بالوديعة أنه لا يضمن.
والصحيح أنه يضمن، وأشار إليه محمد رحمه الله في كتاب الوديعة، هذا إذا كان ما تركه الغائب من جنس حقهم. فأما إذا لم يكن من جنس حقهم فأرادوا أن يبيعوا شيئًا من مال الغائب بنفقتهم أجمعوا على أن سوى الوالد بمحتاج لا يملك بيع عقار الغائب ولا يبيع عروضه بالنفقة. وأما الأب المحتاج يمنع بيع المنقول بالنفقة استحسانًا ولا يملك بيع العقار إلا إذا كان الولد الغائب صغيرًا، وهذا قول أبي حنيفة رحمه الله في كتاب المفقود. وكذلك قياس قوله في المفقود.
والقياس: أن لا يملك الأب البيع على ابنه الكبير الغائب في العقار ونحوه كما لا يملك غير الأب، وأجمعوا على أن حال حضرة من يجب عليه النفقة ليس لأحد ممن يستحق النفقة بيعُ العروض والعقار.
وجه القياس في ذلك: وهو أن ولاية الأب تنقطع ببلوغ الصبي رشيدًا إلا فيما يبيعه تحصينًا لولده الغائب، فإن الابن إذا بلغ وهو غائب فللأب ولوصي الأب بيع عروضه تحصينًا على الغائب، وهاهنا هو لا يبيع تحصينًا على الغائب، إنما يمنع لنفسه وليس له هذه الولاية.
وجه الاستحسان: وهو أن ولاية الأب وإن دلّ بالبلوغ ولكن بقي أثره، ولهذا صح منه الاستيلاد في جارية الابن فلبقاء أثر الولاية أثبتنا له ولاية بيع العروض؛ لأن بيع العروض من الحفظ؛ لأنه يخشى عليه التلف وحفظ الثمن أيسر، وولاية الحفظ ثبتت لمن لا يثبت له ولاية التصرف كما قلنا في الوطء في حق الوارث الكبير الغائب، فكذلك الأب فيعُدُّ بيع بيع الثمن من جنس حقه، فله أن يأخذ منه مقدار النفقة، فأما العقار محصنة بنفسها فلم يكن بيعها بحق الحفظ لو كان بحق الولاية وقد زالت الولاية بالبلوغ عن عقدٍ بخلاف الأم وسائر الأقارب؛ لأنه لم يكن لهم ولاية التصرف حالة الصغر ليبقى أثر تلك الولاية بعد البلوغ فلم يجز بيعهم، أما هاهنا بخلافه.
فأما إذا أراد القاضي أن يتولى البيع في هذه الصورة بنفسه ليس له ذلك عند الكل لا في العروض ولا في العقار ولا في النفقة ولا في سائر الديون. وقد ذكرنا هذا في نفقة الزوجات. هذا الذي ذكرنا إذا كان الحال معلومًا للقاضي، فأما إذا لم يكن فالقاضي ماذا يصنع فوجوه ذلك قد مرّ في نفقة الزوجات أيضًا.
هذا الذي ذكرنا حالة حياة الأب، فإن كان الأب قد مات وترك أموالًا وأولادًا صغارًا كان نفقة الأولاد من أنصبائهم لأنهم أغنياء وكذلك كل ما يكون وارثًا فنفقته في نصيبه، وكذلك امرأة الميت تكون نفقتها في حصتها من الميراث حائلًا كانت أو حاملًا.
بعد هذا ينظر إن كان الميت قد أوصى إلى رجلٍ، قالوا: ينفق على الصغار من أنصبائهم. فإن كان الميت لم يؤمن إلى أحد فالقاضي يفرض لكل واحد من الصغار في نصيبه بقدر ما يحتاج إليه من النفقة على قدر سعة أموالهم وضعفها، ويشتري للصغير خادمًا إن كان يحتاج إلى الخادم؛ لأنه من جملة مصالحه. والقاضي نصب لأقامة مصالح كل من عجز عن الإقامة بنفسه. فكذا كل من كان من المصالح فالقاضي يشتري ذلك للصغير من نصيبه، ولم يذكر في هذه المسألة أن القاضي ينصب لهم وصيًا إذا لم يكن الميت أوصى إلى أحدٍ وذكر في المسألة التي تلي هذه المسألة. وذكره في تلك المسألة يكون ذكرًا في هذه المسألة قال:
وإن كان الميت لم يوصِ إلى أحد وله أولاد كبار وصغار فنفقة كل واحد منهم يكون في نصيبه لما ذكرنا، وينصب القاضي وصيًّا في ماله، لأن للقاضي أن ينصب الوصي في مال الميت في ثلاث مواضع:
أحدها: أن يكون على الميت دين.
والثاني: أن يكون الميت أوصى......
والثالث: أن يكون الورثة صغارًا، وهاهنا في الورثة الصغار.
فكان للقاضي أن ينصب وصيًا، فإن لم يكن في البلد قاض فأنفق الكبار على الصغار، وأيضًا: الصغار كانوا متطوعين في هذه النفقة لأنه لا ولاية لهم على الصغار في مالهم، وهذا في الحكم، أما فيما بينهم وبين الله تعالى لا ضمان عليهم لأنهم احتسبوا فيما فعلوا.
ونظير هذا ما ذكر في كتاب الوديعة: أن للمودع إذا باع اللبن من غير استطلاق رأي القاضي وفي المصر قاضي ضمن، وإن كان..... وذكر في (النوادر): إذا لم يكن في الموضع يمكنه استطلاق رأي القاضي لا يضمن استحسانًا. وكذلك قال مشايخنا في الرجلين في سفر فأغمي على أحدهما، فأنفق الآخر على المغمى عليه من مال المغمى عليه لم يضمن استحسانًا.
وكذا إذا مات فجهزه صاحبه من ماله لم يضمن استحسانًا. وكذا العبيد المأذونون في التجارة إذا كانوا في البلاد فمات مواليهم فأنفقوا في الطريق لم يضموا استحسانًا. وكذا روي عن مشايخ بلخ أنهم قالوا: إذا كان للمسجد أوقاف ولم يكن لها متولي فقام واحد من أهل المحلة في جميع غلة الأوقاف وأنفق على المسجد فيما يحتاج إليه من الحصير والحشيش لا يضمن استحسانًا فيما بينه وبين الله تعالى.
وحكى عن محمد بن الحسن رحمه الله أنه مات واحد من تلامذته فباع محمد رحمه الله كتبه وأنفق في تجهيزه، فقيل له: ألم..... بذلك فتلا محمد رحمه الله قول الله تعالى: {والله يعلم المفسد من المصلح} [البقرة: 220] فكان على قياس هذا فلا ضمان عليه فيما بينه وبين الله تعالى استحسانًا. أما في الحكم ضامن لما قلنا.
قال: لو كان الكبار أنفقوا على الصغار ثم لم يقروا بذلك ببيعه نصيبهم وسعهم ذلك، ولو اختلفوا على ذلك؛ قال في (الكتاب): رجوت أن لا يكون عليهم شيء.
نظير هذا إذا عرف الوصي الدين على الميت فقضاه ولم يقرّ بذلك ولم يعرفه القاضي ولا الورثة لا يأثم فيما فعل وكذلك إذا كان لرجل عند رجل وديعة وعلى المودع مثل تلك الوديعة، والمودع يعلم أنه مات ولم يقبض دينه ليسمح للمودع أن يقضي ذلك الدين بماله ولا يقربه.
وكذلك إذا كان على زيد لعمروٍ دين، وعلى عمرو مثل ذلك دين لرجل آخر فمات عمرو، وزيد يعرف أن عمرو لم يقض ليسع لزيد أن يقضي دين عمرو، وبما لعمرو على زيد، ولا تجبر ورثته بذلك.
وكذلك إذا مات الرجل ولم يوصِ إلى أحد وله أولاد صغار، وله مال وديعة عند رجل ليس للمودع في الحكم أن ينفق عليهم، ويحتسب بذلك من مال الميت، ولكن إذا فعل وحلف أنه ليس لهم عليه حق رجوت أن لا يكون عليه شيء إن شاء الله؛ لأنه لم يرد بهذا إلا الإصلاح، وإنه موافق لما روينا عن محمد رحمه الله.

.النوع الثاني فيما لا يجب على الآباء من نفقة الأولاد:

قال: وإذا تزوج العبد أو المدبر أو المكاتب امرأة بإذن المولى فولدت امرأته أولادًا لا يجبر على نفقة الأولاد سواء كانت أمهم حرة أو أمة أو مدبرة أو أم ولد أو مكاتبة؛ لأن ما يستحق الولد من النفقة صلة محضة، وما كان صلة محضة لا يستحق على هؤلاء، وهذا بخلاف نفقة المرأة؛ لأنها صلة من وجه، عوض من وجه، وما كان صلة من وجه عوضًا من وجه جاز أن يستحق على هؤلاء من حيث إنه عوض.

.فرع على هذا في الكتاب:

فقال: إذا لم يجب على الأب نفقة الأولاد، على من يجب؟ ففيما إذا كانت المرأة مكاتبة فنفقة الأولاد عليها؛ لأن الولد تابع للأم في كتابتها، فكان كالمملوك لها، ألا ترى أن كسبه لها وأرش الجنابة عليه لها، وميراثه إن مات لها. فإذا كان كالمملوك لها كان نفقته..... عليها إذا كانت المرأة مدبرة أو أم ولد فأولاد..... وتكون نفقتهم على مولاهما وهو مولى أم الولد، والمدبرة فيما إذا كانت أَمَةُ رجل آخر فنفقة الأولاد على مولى الأمة؛ لأن أولادها أَرِقّاء لمولى الأمة، فتكون نفقتهم على مولى الأمة.
وفيما إذا كانت المرأة حرة فنفقة الأولاد على الأم إن كان للأم مال، وإن لم يكن لها مال فنفقة الأولاد على من يرث الأولاد الأقرب فالأقرب. وكذلك الحر إذا تزوج أمة أو مكاتبة أو أم ولد فالجواب فيه كالجواب في العبد والمدبر والمكاتب على ما ذكرنا.

.فرع على مسألة الحر:

فقال: إن كان مولى الأمة وأم الولد والمدبرة، وأب الأولاد غنيٌّ هل يؤمر الأب بالإنفاق، فإن كان الولد من الأمة لا يؤمر الأب بذلك لأن ابنه مملوك مولى الجارية، فأما أن يبيعه مولاه أن ينفق عليه على ما يأتي بعد هذا في موضعه إن شاء الله تعالى.
وإن كان الولد من أم ولد أو مدبرة فإن هاهنا يؤمر الأب بالإنفاق عليهم؛ لأن هاهنا لا يمكن أن يجبر المولى على بيعهم، فتعين طريق إيصال النفقة إليهم، أمر الأب بذلك.
قال: رجل كاتب عبده وأمته فزوجها منه، فولدت ولدًا فنفقة الولد على الأم دون الأب؛ لما ذكرنا: أن ولدها كالمملوك لها.
هذا بخلاف ما لو وطئ المكاتب أمة نفسه فولدت له ولدًا، فإن نفقة ذلك الولد على المكاتب لأنه داخل في كتابته حتى كان كسبه له، وأرش الجنابة عليه له أيضًا، ليس للأم، فكان الولد كالمملوك للمكاتب، فتكون نفقته على المكاتب.
قال: وإذا تزوج المكاتب أمة رجل فولدت منه ولدًا أو لم تلد حتى اشتراها المكاتب فولدت ولدًا فنفقة الأولاد على المكاتب؛ لأن الأمة صارت كسبًا للمكاتب، وأولاده من كسبه مكاتبون عليه فصاروا بمنزلة أرقائه.

.النوع الثالث فيما يجب من نفقات الوالدين:

قال: ويجبر الرجل الموسر على نفقة أبيه وعلى نفقة أمه. وإذا كانا محتاجين لقوله تعالى: {ووصينا الإنسان بوالديه حسنًا} [العنكبوت: 8] فقد أوجب على الولد الإحسان لوالديه، ورأس الإحسان بوالديه إحيائهما، وذلك بالإنفاق عليهما، وقال عليه السلام: «إن أطيب ما يأكل الرجل من كسبه وإن ولده لمن كسبه، كلوا من كسب أولادكم إذا احتجتم إليه بالمعروف» ولأن للأب في مال الابن حق الملك، قال عليه السلام: «أنت ومالك لأبيك» وله كان له فيه حقيقة الملك كانت نفقته في ماله، فكذا إذا كان له حق الملك، إلا أنه إنما يجب عليه إنفاقهما إذا كان موسرًا؛ لأن نفقة الأقارب صلة محضة والصلات المالية ما شرعت إلا على أهل الثروة واليسار، واعتبره بصدقة الفطر والأضاحي.
هكذا ذكر شيخ الإسلام خواهر زاده رحمه الله وشمس الأئمة السرخسي رحمه الله، والخصاف رحمه الله في (كتابه) اعتبر القدرة على الإنفاق ولم يعتبر اليسار، حتى إذا كان في كسب الابن فضلٌ عن قوته يجبر الابن على أن ينفق على أبيه من ذلك الفضل وهو موافق (لقوله) عليه السلام: «كلوا من كسب أولادكم».
قال: فإن كان الأولاد ذكورًا وإناثًا موسرين فنفقة الأبوين عليهم بالسوية في أظهر الروايتين، وروى الحسن عن أبي يوسف عن أبي حنيفة رحمهم الله أن النفقة بين الذكور والإناث أثلاثًا قياسًا على الميراث واعتبره بنفقة ذوي الأرحام.
وجه الرواية الأخرى وهو الأصح: أن استحقاق الأبوين باعتبار حق الملك لهما في مال الولد لما روينا من الحديث. وفي هذا الذكور والإناث سواء، ولهذا ثبت لهما هذا الاستحقاق مع اختلاف المسألة عندنا وإن انعدم التوارث بسبب اختلاف المسألة، ثم يفرض على الابن نفقة الأب إذا كان محتاجًا والابن موسرًا سواء كان الأب قادرًا على الكسب أو لم يكن. هكذا ذكر خواهر زاده في (شرح المبسوط).
وذكر شمس الأئمة السرخسي رحمه الله في (شرح أدب القاضي) للخصاف أن الأب إذا كان كسوبًا والابن أيضًا كسوب يجد الابن على الكسب والنفقة على الأب. وذكر شمس الأئمة الحلواني رحمه الله في (أدب القاضي) للخصاف أنه لا يجبر الابن على نفقة الأب إذا كان الأب قادرًا على الكسب فاعتبره بذي الرحم المحرم، فإنه لا يستحق النفقة في كسب قريبه ولا على قريبه الموسر إذا كان هو كسوبًا، وهذا لأن استحقاق النفقة على الأقارب عندنا: الفقر والحاجة، فإذا كان قادرًا على الكسب كان غنيًا باعتبار الكسب، فلا ضرورة إلى إيجاب النفقة على الغير ثم على ما ذكر خواهر زاده وشمس الأئمة السرخسي رحمهما الله يحتاج إلى الفرق بين نفقة الولد وبين نفقة الوالد، فإن الولد إذا كان ذكرًا بالغًا وهو قادر على الكسب لا يجب على الأب نفقته.
والفرق: وهو أن استحقاق نفقة الأقارب باعتبار الحاجة، وللأب زيادة فضلة على الولد في الاستحقاق باعتبار الحاجة، فإنه يستحق مال ولده بالحاجة الضرورية، وهي الحاجة إلى النفقة. وبغير الحاجة الضرورية كالاستيلاد، والولد لا يستحق مال الوالد إلا بالحاجة الضرورية وهي الحاجة إلى النفقة. فلو شرط عجز الأب عن الكسب لاستحقاق النفقة على الابن كما شرح في حق الابن لوقعت المساواة بينهما في الاستحقاق بسبب الحاجة. وهذا مما لا وجه له ولا سبيل إليه.
فالحاصل: أن في نفقة الوالدين يعتبر الفقر لا غير على ما هو (ظاهر الرواية) إلا على قول شمس الأئمة الحلواني رحمه الله.
قال: رجل، وله ابنان أحدهما موسر مكثر والآخر متوسط الحال كانت نفقة الأب عليهما، يجعل على الموسر المكثر من ذلك أكثر مما يجعل على الآخر هكذا ذكر الخصاف في (أدب القاضي) وفي (نفقاته)، وذكر محمد رحمه الله في (المبسوط) وقال: يكون بينهما على السواء لأن العبرة لليسار، وكل واحد منهما موسر، فكانت النفقة عليهما على السواء.
قال شمس الأئمة الحلواني رحمه الله: قال مشايخنا رحمهم الله: إنما تكون النفقة عليهما على السواء إذا تفاوتا في اليسار تفاوتًا يسيرًا. أما إذا تفاوتا فاحشًا يجب أن يتفاوتا في قدر النفقة. ثم إذا قضى القاضي بالنفقة عليهما فيأمر أحدهما أن يعطي الأب ما يجب عليه، فالقاضي يأمر الآخر بأن يعطي كلّ النفقة ثم يرجع على الآخر بحصته لأنه لو لم يكن إلا هو كان كل النفقة عليه. فإذا وقع العجز عنها من جهة الأخ يؤخذ كل ذلك منه ثم هو يرجع على الأخ بحصته. قال: وإذا كان للرجل المعسر زوجة ليست أم ابنه الكبير لم يجبر الابن على أن ينفق على امرأة أبيه. وكذلك أم ولده وأمته فلا يجبر الابن على نفقة هؤلاء، وهذا لأن نفقة الأب إنماوجبت بسبب القرابة ولا قرابة بينه وبين امرأة أبيه وبين أم ولده وأمته، فلا يجبر على النفقة عليهما إلا أن يكون بالأب علة لا يقدر على خدمة نفسه، فيحتاج إلى خادم يقوم بشأنه ويخدمه فحينئذ يجبر الابن على نفقة خادمة الأب منكوحة كانت أو أمة؛ لأن الأب لا يستغني عنها فصار ذلك من فروض حاجة الأب، فصار كنفقة الأب، فجاز أن يستحق بقرابة الأب.
هكذا ذكر الخصاف في (أدب القاضي) فعلى هذا لا يحتاج إلى الفرق بين امرأة الأب وبين امرأة الابن، فإن الابن إذا كان معسرًا وكان عاجزًا عن خدمة نفسه بأن كان زَمِنًَا أو صغيرًا بحيث لا يأكل وحده ولا يشرب وحده يفرض نقد خادمة على الأب، وإن كان صحيح اليدين يمكنه خدمة نفسه لا يفرض كما في الأب.
وذكر هشام في (نوادره) عن أبي يوسف رحمهما الله أنه يفرض نفقة امرأة الأب على ابنه إذا كانت المرأة عنده مطلقًا، فعلى هذا يحتاج إلى الفرق بين امرأة الأب وبين امرأة الابن.
ووجه الفرق بينهما: وهو أن نفقة الأب تشبه نفقة المرأة من وجه حتى يستحق مع ضرب غنيه بأن كان الأب قادرًا على الكسب ثم يفرض نفقة خادم المرأة على الزوج على كل حال، فكذا نفقة خادم الأب.
أما نفقة الابن صلة محضة لا تشبه نفقة المرأة بوجهٍ ما، حتى لا يستحق مع ضرب عينيه بأن كان الابن قادرًا على الكسب فكانت نفقة الولد نظير نفقة سائر الأقارب، تجب نفقة القريب ولا تجب نفقة الخادم كذا هاهنا.
قال: ولو أن امرأة معسرة لها ابن موسر ولها زوج معسر، وليس هو أب الابن كان نفقتها على زوجها، ونفقة الزوجة لا تسقط بالعسار على ما مرّ في نفقات الزوجات إلا أن هاهنا يؤمر الابن أن يقرضها على زوجها، فإذا أيسر الزوج رجع عليها بما أقرضها؛ لأن الزوجية تسقط النفقة عن ذوي المحارم، ألا ترى أن الأب يفرض عليه نفقة ابنته المراهقة، فإذا زوجها سقطت عنه نفقتها إلا أنه تعذر إيصال النفقة إليها من جهة الزوج بعسرته وتعذر فرض النفقة على الابن كما ذكرنا، فيؤمر الابن بالإقراض؛ لأنه أقرب إليها، وهي محتاجة إلى الاستدانة فيستدين من أقرب الناس إليها.
فإن لابن الابن أن يقرضها النفقة. قال الخصاف في (أدب القاضي): قال الحسن بن زياد رحمه الله فرضت على الابن نفقتها وأخذته بذلك. والمراد منه أبى من القرض المذكور هنا هو الجبر على الإقراض لا القرض بطريق الإيجاب كما ذكرنا: أن الزوجية تسقط النفقة عن المحارم، وإنما ذكرنا قول الحسن؛ لأنه لم يحفظ في هذا رواية عن أبي حنيفة رحمه الله، وذكر الخصاف هذه المسألة في (نفقاته) إلا أن هناك وضع المسألة في الزوج مع الأخ، وفي الزوج مع الأب. وذكر هناك أن الأخ الموسر أو الأب الموسر إذا امتنع عن الإقراض يحبس؛ لأن هذا من المعروف؛ لأن كل نفقة معروف وصلة فيجوز أن يحبس في الأمر بالمعروف.
وفي (القدوري): وضع المسألة في الزوج مع الأخ، وقال أجبرت الأخ على نفقتها، ويرجع على الزوج، ثم الأصل في نفقة الوالدين والمولودين أنه يعتبر القرب والجزئية ولا يعتبر الميراث. وإذا استويا في القرب يجب على من له نوع رحجان، وإذا لم يكن لأحدهما رجحان فحينئذ تجب النفقة بقدر الميراث.
بيان هذا الأصل: إذا كان للفقير والد وابنُ ابنٍ موسرين فالنفقة على الوالد لأنه أقرب. وإذا كان له بنت وابنُ ابنٍ فالنفقة على البنت خاصة وإن كان الميراث بينهما لأن البنت أقرب. وإن كان له بنت بنت أو ابن بنت وله أخ لأب وأم فالنفقة على ولد الابنة ذكرًا كان أو أنثى وإن كان الميراث للأخ لا لولد الابنة فعلم أن العبرة لقرب القرابة والجزئية وإن سفل، ولد الولد وبنت الولد أو ولد ابن فهم سواء في النفقة عليهم دون الأخ لما قلنا. ولو كان له والد وولد وهما موسران فالنفقة على ولده وإن استويا في القرب الابن يرجح باعتبار تأويل الثالث له في مال ولده، ولو كان جد وابن ابن فالنفقة عليهما على قدر ميراثهما، على الجد السدس والباقي على ابن الابن.
ثم استشهد في (الكتاب) لبيان أن العبرة في نفقة الوالدين والمولودين للقرب والجزئية دون الإرث بمسائل: منها إن المعسر المسلم إذا كان له ابنان موسران أحدهما مسلم والآخر ذمي فنفقته عليهما جميعًا بالسوية وإن كان الإرث لا يجري بين المسلم والكافر. وكذلك إذا كان للرجل الفقير ابنة وأخت لأب وأم وهما موسران فالنفقة على البنت وإن كانا تستويان في الميراث.
وإذا كان للفقير ابن نصراني وله أخ مسلم وهما موسران فالنفقة على الابن، وإن كان الميراث للأخ. وكذا إذا كان للفقير ابنة ومولى عتاقه وهما موسران فالنفقة على الابنة وإن كانا يستويان في الميراث. وكذا المعسرة إذا كانت لها ابنة وأخت لأب وأم فالنفقة على ابنتها. وإن كانتا تشتركان في الميراث.
قال: الرجل إذا كان محتاجًا وله ابن كبير فطلب الأب منه النفقة ونازعه في ذلك إلى القاضي فإن القاضي لا يجبر الابن على نفقة الأب إلا أن يعلم أنه يطيق. وفي بعض النسخ إلى أن يعلم أنه مصطلح لذلك أي قادر عليه. وهذا لأن شرط وجوب الإنفاق والقدرة على الإنفاق فالأب يدعي على الابن النفقة بواسطة شرطه، وهو ينكر، فعلى الأب أن يثبت الشرط بالحجة، فإن قال الأب: إنه يكسب ما يقدر على أن ينفق منه فإن القاضي ينظر في كسب الابن، فإن كان فيه فضل عن قوته يجبر الابن على أن ينفق على أبيه من ذلك الفضل لأن شرط وجوب النفقة على الولد القدرة على الإنفاق وقد وجد، وإن لم يكن في ذلك فضل عنه فلا شيء عليه في الحكم، لكن يؤمر من حيث الديانة أن لا يضيع والده. وقال بعض العلماء يجبر الابن على أن يدخل الأب في قوته إذا كان ما نصب الابن من ذلك القوت يقوم معه بدنه ولا يضره إضرارًا يمنعه من الكسب، وروي عن أبي يوسف رحمه الله أن على الابن في هذه الصورة أن يضمن الأب إلى نفسه لأنه لو لم يفعل ضاع الأب. ولو فعل لا يخشى الهلاك على الولد والأب إذ لا يملك على نصف يطلبه إلا أن في ظاهر الرواية عن أصحابنا رحمهم الله: لا يجبر على ذلك. لقوله عليه السلام: «ابدأ بنفسك ثم بمن تعول» هذا الذي ذكرنا إذاكان الابن وحده.
أمّا إذا كان للابن زوجة وأولاد صغار وباقي المسألة بحالها فالقاضي يجبر الابن على أن يدخل الأب في كسبه ويجعله كأحد العيال الذين ينفق عليهم ولا يجبره أن يعطي له شيئًا على حدة.
فرق بين هذا وبينما إذا كان الابن وحده، والفرق: هو أن الابن إذا كان يكتسب مقدار ما يكفي له ولزوجته وأولاده الصغار فإذا دخل الأب في طعامهم يقل الضرر؛ لأن طعام الأربعة إذا فرق على الخمسة لا يتضرر كل واحد منهم إضرارًا فاحشًا. أما إذا دخل الواحد في طعام الواحد يتفاحش الضرر.
فإن قال الأب: إن ولدي هذا كسوب يقدر على أن يكسب مقدار ما يكفيه ويكفيني، لكنه ذرع العمل عمدًا كيلا يفضل منه ما يعطيني شيئًا منه، يريد بذلك عقوقي نظر القاضي فيما قال. وطريق النظر: أن يسأل من أهل حرفته لأن لهم نظرًا في هذا الباب فإن ظهر للقاضي أن الأمر على ما قاله الأب أجبر الابن على نفقة أبيه وأخذ بذلك لأنه فضل الإضرار بالأب. وهذا كله إذا لم يكن الأب كسوبًا. وأما إذا كان الأب كسوبًا هل يجبر الابن على الكسب والنفقة فقد ذكرنا فيه الاختلاف قبل هذا فلا نعيد، فإن كان للأب مسكن أو دابة فالمذهب عندنا أن يفرض النفقة على الابن إلا أن يكون في المسكن فضل عران يكفيه أو يسكن ناحية منه فحينئذ يؤمر الأب ببيع لفضل والإنفاق على نفسه فإذا آل الأمر إلى الناحية التي يسكنها الأب يفرض نفقته حينئذ على الابن، وكذا إذا كانت للأب دابة نفيسه يؤمر أن يبيع الفضل ويشتري الأَوْكَس وينفق الفضل على نفسه، فإذا آل الأمر إلى الأوكس يفرض النفقة على الابن ويستوي في هذا الوالدين والمولودين وسائر المحارم هو الصحيح من المذهب.
فإن فرض القاضي نفقة الأب على الابن الموسر كل شهر كذا أو فرض الكسوة للأب على الابن كل سنة فتخرقت الكسوة ولم تبق النفقة قبل مضي الوقت أو بقيت الكسوة وشيء من النفقة بعد مضي الوقت. وقد مرّ هذا في الفرق بين نفقة الأقارب وكسوتهم وبين نفقة الزوجات وكسوتهن في باب نفقة الزوجات فلا نعيد.
قال فإن طلب الأب النفقة من ولده فقال الابن: هو غني، وقال الأب: أنا فقير. قال في (المنتقى) روى بشر عن أبي يوسف رحمهما الله: أنه يسأل عن حال الأب، فإن أخبر أنه فقير يجعل عليه النفقة، وإن قالوا: لا ندري لا يجعل على الابن النفقة ما لم يقم الأب البينة أنه فقير فلم يحكم بقبول قول الأب أنه فقير، وإن كان الظاهر شاهدًا للأب؛ لأن الأصل في الأدمي هو الفقر إلا أن الأب بهذا الظاهر يريد إثبات الاستحقاق على الابن، والظاهر لا يصلح حجة لإثبات الاستحقاق، وإن أقاما جميعًا البينة فالبينة بينة الأب؛ لأن بينة الأب ثبتت الاستحقاق على الابن وبينة الابن تنفي ذلك، فكانت بينة الأب أولى بالقبول.
وذكر في (شرح القدوري) في الأب إذا أنفق من مال الابن حال غيبة الابن ثم خصّ الابن فقال الابن للأب: كنت موسرًا وقت الإنفاق من مالي، وقال الأب: كنت معسرًا نظر إلى حال الأب وقت الخصومة؛ لأن الحال يصلح دليلًا على الماضي وله أمثلة في الشرع، كمسألة الطاحونة وغيرها.
فإن أقاما البينة فالبينة بينة الابن؛ لأن شهود الابن يثبتون الرجوع على الأب بما أنفق، وشهود الأب ينفون ذلك، والإثبات أولى من النفي في باب البينات.

.النوع الرابع في حق استحقاق النفقة عليه:

إذا كان الأب ميتًا أو كان الأب حيًا فقيرًا لأن الفقير يلحق بالميت في حق استحقاق النفقة على الموسر، وفيه كلمات: أنّ من يلحق بالميت ومن لا يلحق سيأتي بعد هذا إن شاء الله تعالى.
ويعتبر في حق الحد لاستحقاقه النفقة الفقر لا غير على ما هو ظاهر الرواية كما في حق الأب والجد من قِبَل الأم كالجد من قبل الأب، وكذا يفرض نفقة الجدات من قِبَلِ الأم ونفقة الجدات من قبل الأب، ويعتبر في حق الجدات ما يعتبر في حق الأجداد أيضًا.
قال: فإن مات الأب فالنفقة على الجد؛ لأنه قائم مقام الأب فإن كان للصغير أم وجد فالنفقة على الأم والجد على قدر ميراثهما أثلاثًا بخلاف الأب في (ظاهر الرواية).
والفرق: وهو أن إيصال النافلة بالجد بواسطة الأب كاتصاله بالأخ، ثم في الأخ والأم النفقة عليهما على قدر ميراثهما أثلاثًا فكذا في الجد والأم، وروى الحسن عن أبي حنيفة رحمه الله أن النفقة كلها على الجد، وهذا أليق بمذهب أبي حنيفة رحمه الله في الميراث فإنه يلحق الجد بالأب مطلقًا حتى قال: الجد أولى من الأخوة والأخوات.
قال: وإن كان للفقير أولاد صغار وجد موسر لم تفرض النفقة على الجد؛ لأن النفقة لا تجب على الجد حال قيام الأب، ولكن يؤمر الجد بالإنفاق صيانة لولد الولد، ويكون دينًا على والد الصغار كأن والد الصغار أمره بذلك كذا ذكَرَ هذه المسألة في (القدوري). فلم يجعل النفقة على الجد حال عسرة الأب.
وقد ذكرنا في أول هذا النوع أب الأب الفقير يلحق بالميت في حق استحقاق النفقة على الجد، وهذا هو الصحيح من المذهب، وما ذكر في (القدوري) فذاك قول الحسن بن صالح. هكذا ذكر رحمه الله في شرح (أدب القاضي) للخصاف، قال: وإن كان الأب زَمِنًَا قضى بنفقة الصغار على الجد ولم يرجع على أحد بالإنفاق؛ لأن نفقة الأب في هذه الحالة على الجد، فكذا نفقة الصغار.
وروي عن أبي يوسف رحمه الله: في صغير له والد محتاج وهو زَمِنٌ فرضت نفقته على قرابته من قبل أبيه دون أمه، فكل من يجبر على نفقة الأب يجبر على نفقة الغلام، فإن لم يكن له قرابة من قبل أبيه قضيت بالنفقة على أبيه، وأمرت قرابة الأم بالإنفاق فيكون ذلك دينًا على الأب، هذا لأنّ قرابة الأم لا يجوز أن تجب عليهم نفقة الولد؛ لما عرف أن الأب لا يشاركه غيره في نفقة الصغير، فإن لم يكن للأب قرابة لم يبق هاهنا وجهًا سوى أن يقضى بالنفقة على قرابة الأم ويكون ذلك دينًا على الأب كيلًا يشاركه الأب غيره في نفقة الولد، فأما قرابة الأم فما يلزمهم نفقة الأب فجاز أن يلزمهم نفقة الغلام لكون نفقة ولده جاريًا مجرى نفقته.
هكذا ذكر هذه المسألة في (شرح القدوري): وهذا الجواب إنما يستقيم إذا لم يكن في قرابة الأم من يكون محرمًا للصغير، ويكون أهلًا للإرث، لأن شرط وجوب النفقة في غير قرابة الأولاد المحرمية وأهلية الإرث على ما يأتي بعد هذا إن شاء الله تعالى، فأما إذاكان في قرابة الأم من كان محرمًا للصغير وهو أهل للإرث، تجب عليه النفقة ويلحق الأب المعسر بالميت لما ذكرنا قبل هذا.
النوع الخامس: نفقة من سوى الوالدين والمولودين من ذوي الأرحام:
والأصل فيه قول الله تعالى: {وعلى الوارث مثل ذلك} [البقرة: 233] المراد: الوارث الذي هو ذو رحم محرم، وهو قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وهكذا كان يقرأ، وبه أخذ أصحابنا رحمهم الله حتى لا تجب النفقة على ابن العم وإن كان وارثًا؛ لأنه ليس بمحرم للصغير، والمراد من الوارث المذكور في هذه الآية كونه أهلًا للإرث لا كونه وارثًا حقيقًا، وبه أخذ أصحابنا رحمهم الله حتى إنه إذا اجتمع الخال وابن العم فالنفقة على الخال عند علمائنا رحمهم الله وإن كان الميراث لابن العم؛ لأن الخال ذو رحم محرم وهو أهل للإرث، وابن العم وإن كان وارثًا فهو ليس بمحرم للصغير.
والحاصل: أن هذه النفقة لا تجب إلا على ذي رحم محرم هو أهل للإرث سواء كان وارثًا في هذه الحالة أو لم يكن، وعندالاستواء في المحرمية وأهلية الإرث يترجح من كان وارثًا حقيقة في هذه الحالة، حتى إنه إذا كان له عم وخال فالنفقة على العم لأنهما استويا في المحرمية، وترجح العم على الخال في هذه الحالة لكونه وارثًا حقيقة. وكذلك إذا كان له عم وعمة وخالة فالنفقة على العم الموسر لا غير؛ لأنه ساواهما في المحرمية، والعم هو الوارث دونهما فتكون النفقة عليه، ولوكان العم معسرًا فالنفقة على العمة والخالة أثلاثًا على قدر ميراثهما، ويجعل العم كالميت.
إذا ثبتت هذه الجملة فنقول: هذه النفقة لا تجب إلا على الموسر ولا تجب على الفقير لا قليل ولا كثير؛ لأن هذه النفقة تجب بطريق الصلة، والصلات تجب على الأغنياء، ودون الفقراء لمكان التعارض.
ثم لابد من معرفة حدّ اليسار الذي تعلق به وجوب هذه النفقة. ذكر ابن سماعة عن أبي يوسف رحمهما الله: أنه اعتبر نصاب الزكاة، وروى هشام عن محمد رحمهما الله إذا كان له نفقة شهر لنفسه وعياله وفضل على ذلك يجبر على نفقة الأقارب، وإن لم يكن له شيء واكتسب كل يوم درهمًا ويكفيه أربعة دوانيق ينفق الفضل عليهم. وذكر شيخ الإسلام خواهر زاده رحمه الله: أن المعتبر بسائر (ما) يحرم الصدقة بأن يملك ما فضل عن حاجته ما يبلغ مائتي درهم فصاعدًا وهو الصحيح، وهذا لأنه لم يشترط بوجوب صدقة الفطر غنىً موجبًا للزكاة، وإنما شرط غنىً يحرم الصدقة، فكذا في حق إيجاب النفقة لأن النفقة بصدقة الفطر أشبه منه بالزكاة؛ لأن في صدقة الفطر معنى المؤنة، ومعنى الصدقة.
فإذا لم يشترط لصدقة الفطر غنىً موجبًا للزكاة وهي صدقة من وجد مؤنة من وجه فلأن لا يشترط لوجوب النفقة غنىً موجبًا للزكاة وإنها مؤنة من كل وجه كان أولى.
قال ولا يقضى بنفقة أحد من ذوي الأرحام إذا كان غنيًا والكبار الأصحاء، فلا يقضى لهم بنفقتهم على غيرهم وإن كانوا فقراء إلا الأبوين والجد والجدة مع عدمهما. وقد ذكر هذا فيما تقدم. وتجب نفقة الإناث الكبار من ذوي الأرحام وإن كُنَّ صحيحات البدن إذا كان بهن حاجة إلى النفقة. وقد ذكرنا مثل هذا في نفقة الأولاد.
ثم الأصل في نفقته من سوى الوالدين من ذوي الرحم المحرم أنه ينقسم على الميراث؛ لأن الله تعالى أوجب النفقة باسم الوارث. قال الله تعالى: {وعلى الوارث مثل ذلك} [البقرة: 233] فقد أوجب باسم الوارث فيجب التقدير به.
ولهذا قلنا: إن الرجل إذا أوصى لورثة بني فلان وله بنون وبنات كانت الوصية لهم على قدر الميراث ولو أوصى لولد فلان كان الذكور والأنثى فيه على السواء، على هذا تخرج جنس هذه المسائل.
قال: إذا كان للصغير أم وعم أو أم وأخ لأب وأم كل واحد منهما موسر فالنفقة عليهما على قدر الميراث، وكذلك الرضاع عليهما أثلاثًا فالنفقة عليهما؛ لأن الرضاع نفقة الولد فتكون عليهما على قدر الميراث كنفقة الولد بعد الفطام.
وروى الحسن عن أبي حنيفة رحمهما الله: أن في النفقة بعد الفطام الجواب هكذا، وكذلك فيما يحتاج إليه من النفقة قبل الفطام. فأما الرضاع كله على الأم؛ لأنها موسرة باللبن، والعم معسر في ذلك، ولكن في (ظاهر الرواية) قال: قدرة العم على تحصيل ذلك بماله يجعله موسرًا فيه، فلهذا كان عليهما أثلاثًا، وإن كان العم فقيرًا والأم غنية فالرضاع والنفقة على الأم؛ لما ذكرنا أن المعسر يجعل كالمعدوم في حق إيجاب النفقة على الموسر.
وإن كانت له أم وأخ لأب وأم، أو أخ لأب وعم أغنياء فالرضاع على الأم والأخ أثلاثًا بحسب الميراث، لأن العم ليس بوارث في هذه الحالة، فترجح الأخ على العم لكونه وارثًا حقيقة.
قال: وإذا كان للفقير الزمن ابن صغير معسر أو كبير زمن، ولهذا المعسر ثلاثة أخوة متفرقون أهل يسار. فنفقة الرجل على الأخ من الأب والأم وللأخ من الأب أسداسًا؛ لأن الابن الصغير أو المعسر يجعل كالعدم في حق إيجاب النفقة على الغير لما ذكرنا: أن نفقة ما عدا الوالدين والمولدين تجب على وارث ذي رحم محرم ولم يجعل الابن كالمعدوم، فلا يصير الأخوة ورثة فينعدم إيجاب النفقة عليهم حال قيام الابن، فيجعل الابن كالمعدوم، وبعد الميراث بين الأخ لأب وأم وبين الأخ لأم أسداسًا، فكذا النفقة.
ولو كانت مكان الابن ثلاث فنفقة الأب على الأخ لأب وأم خاصة؛ لأنا نحتاج إلى أن نجعل الابنة كالمعدوم في حق إيجاب النفقة على الإخوة؛ لأنه يرث مع الابنة لأخ لأب وأم، لكن تعتبر صفة الوارثة مع بقائها وبعد تعذر إيجاب النفقة على الابنة فتجب على الأخ لأب وأم.
فأما نفقة الصغير فعلى العم لأب وأم خاصة، لأن الأب المعسر في حق النفقة جعل كالمعدوم، وبعد الأب ميراث الولد للعم لأب وأم خاصة، فكذا نفقة الولد تجب على العم لأب وأم.
قال: فإن كان مكان الإخوة أخوات متفرقات فإن كان الولد ذكرًا فنفقة الأب على الأخوات أخماسًا؛ لأن أحدًا من الأخوات لا يرث مع الابن لابد وأن يجعل الابن كالمعدوم لتمكن إيجاب النفقة على الأخوات، وبعد الابن ميراث الأب بين الأخوات أخماسًا ثلاثة أخماسه للأخت لأب وأم وخمسه للأخت فرضًا وردًّا فالنفقة عليهم بحساب ذلك، ونفقة الولد على الأخت لأب وأم خاصة عندنا؛ لأن الولد المعسر جعل كالمعدوم، وعند عدم الولد ميراث الولد للعمة لأب وأم عندنا، فالنفقة تكون عليها أيضًا، وإن كان الولد ابنة فنفقة الأب على الأخت لأب وأم خاصة؛ لأنها وارثة مع الابنة، فإن الأخوات مع البنات عصبة فلا تجعل الابنة كالمعدومة هاهنا ولكن لو مات الأب كان نصف ميراثه للابنة والباقي للأخت للأب وأم، فكذا النفقة على الأخت لأب وأم ونفقة الابنة على العمة لأب وأم خاصة عندنا؛ لأن الأب المحتاج جعل كالمعذور عند انعدام الولد، فميراث الابنة يكون للعمة لأب وأم خاصة عندنا، فكذا النفقة أيضًا عليها عندنا.
وصار الأصل في إيجاب نفقة من سوى الوالدين والمولودين من ذوي الأرحام أنه إذا اجتمع الموسرون والمعسرون من قبل أبيه ينظر إلى المعسر، فإن كان بحال يحرز كل الميراث ولا يرث معه أحد من الموسرين كالإخوة والأخوات مع الابن يجعل هذا المعسر كالميت، ثم ينظر إلى الموسرين فتجب النفقة عليهم على قدر مواريثهم، فإن كان هذا المعسر لا يحرز كلّ الميراث كالابنة مع الإخوة والأخوات لا يلحق هو لميت بل يعتبر هو حيًّا، ويقسم الميراث بينهم على سهامهم، ثم تجب كل النفقة على الموسرين، ولكن على السهام التي كان نصيبهم من الميراث.
بيان هذا الأصل: إذا كان للصغير أم وثلاث أخوات متفرقات، والأخت من الأب والأخت من الأم معسرتان والأم والأخت لأب وأم موسرتان فكلّ النفقة تجب على الأم والأخت لأب وأم، لكن على أربعة أسهم، ثلاثة أسهم على الأخت لأب وأم وسهم على الأم، ميراث الصغير بينهم ينقسم على ستة أسهم، ثلاثة أسهم للأخت لأب وأم وسهم للأخت لأب وسهم للأخت، وسهم للأم من ميراث الصغير سهم وللأخت لأب وأم ثلاثة، فتكون النفقة عليهما أرباعًا. ولو كانت الأخت لأب والأخت لأم ملحقتان بالأموات كان ميراث الصغير بين الأم والأخت أخماسًا فرضًا وردًّا فينبغي أن تكون النفقة عليهما أخماسًا أيضًا، على أن المعتبر ما قلنا.
فعلى هذا الأصل تخرج جنس هذه المسائل.

.الفصل الرابع في نفقات أهل الكفر:

في هذا الفصل نوع واحد، ولا يجبر المسلم على نفقة الكفار من قرابته، ولا الكفار على نفقة المسلمين من قرابتهِ لأن استحقاق النفقة متعلقة بصفة القرابة قال الله تعالى: {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذلِكَ} [البقرة: 233].
واختلاف الدينين يمنع الوراثة فيمنع القضاء بالنفقة إلا الزوجة والوالدين والوالد. أما الزوجة فلأن استحقاق الزوجة النفقة بحكم العقد وذلك متحقق مع اختلاف الدينين، وأما الوالدان والولد، فالقياس أن لا يثبت لهم استحقاق النفقة مع اختلاف الدين؛ لأن استحقاق الوالدين والولد النفقة بطريق الصلة، كما في سائر الأقارب، ولكن في الاستحسان يثبت الاستحقاق إذا كان أحدهما مسلمًا والآخر ذميًا لقوله تعالى: {وَصَحِبْهُمَا في الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} [لقمان: 15] وليس من المصاحبة بالمعروف أن يتقلب في نعمِ الله تعالى ويتركهما يموتان جوعًا؛ ولأن الاستحقاق فيما بين الوالدين والمولودين متعلق بالولاد وذلك لا يختلف باختلاف الدين.
وفي سائر الأقارب الاستحقاق تعلق بالوراثة وذلك يختلف باختلاف الدين، قال: والنوافل بمنزلة الأولاد والأجداد الجدات من قبل الأب.
والأم بمنزلة الوالدين؛ لأن استحقاق هؤلاء باعتبار الولاد كاستحقاق الأبوين.
قال: ولا يجبر المسلم والذمي على نفقة والديه وولدهِ من أهل الحرب وإن كانا مستأمنين في دار الإسلام؛ لأنها صلة وقد نهينا عن صلة الحربي قال الله تعالى: {إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين} [الممتحنة: 9] الآية وكذلك الجدين الذي دخل علينا بأمان لا يجبر على نفقة والديه وولدهِ إن كانا مسلمين، أو كانا من أهل الذمة.
قال: ولا يجبر أهل الذمة على أن ينفقوا على أحد من ذوي أرحامهم إذا كانوا على غير دينهم، يُريد به دينًا هو غير دين الإسلام إلا على الوالدين والأجداد والأولاد، هكذا ذكر الخصاف في (نفقاته). قال الصدر الشهيد رحمه الله في (شرح النفقات): ما ذكر الحصاف إن كان محمولًا ما إذا كان من دارين مختلفين، يعني إذا كان للذمي ذو رحم محرم هو من أهل الحرب فهذا الجواب صحيح لما ذكرنا قبل هذا. فأما إذا كان هذا الجواب يجري على الإطلاق فالصحيح ما ذكر في (المبسوط): أنهم يجبرون لأن الكفر كلهُ ملة واحدة ولهذا يتوارثون فيما بينهم إذا كانوا من أهل دار الإسلام وتقبل شهادة بعضهم على البعض. فأما نفقة المرأة فيجب وإن كانت على غير دينه لما ذكرنا أنها تستحق النفقة بالعقد، وذلك لا يختلف باختلاف الدين.
قال: ولو أن مستأمنًا في دارنا تزوج ذمية ودخل بها ثم طلقها فلها النفقة، في قول من يوجب على الذمي العدة، وهو قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله. وقد عرف هذا في نكاح (المبسوط)، في باب نكاح أهل الحرب نفقة النكاح، فعلى قياس قول أبي حنيفة رحمه الله: نعرض لها نفقة النكاح.
وعلى قياس قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله: لا نفرض بناء على أن لهذا النكاح حكم الصحة عند أبي حنيفة رحمه الله. حتى قال: إذا طلب أحدهما النفقة فالقاضي لا يفرق بينهما ما لم يطلب الآخر، والمرأة تستحق النفقة في النكاح الصحيح.
وعندهما لهذا النكاح حكم الفاسد حتى قالا: يفرق بينهما إذا طلب أحدهما. وفي النكاح الفاسد لا يثبت استحقاق النفقة، وأجمعوا على أن في النكاح بغير شهود تستحق هي النفقة لأن هذا النكاح محكوم بالصحة فيما بينهم عند الكل. ويستحق النفقة لهذا.
قال: وإذا أسلم الذمي وامرأته من غير أهل الكتاب فأبت الإسلام ففرق بينهما، فلا نفقة لها في العدة؛ لأن منفعة الاحتباس فاتت من جهتها، ولهذا سقط جميع المهر متى كان قبل الدخول بها. ومنفعة الاحتباس متى فاتت من جهتها توجب سقوط النفقة. كما لو نشزت.
وأما إذا أسلمت المرأة وأبى الزوج الإسلام يُفرق بينهما، سواء كان الزوج كتابيًا أو غير كتابي، على ما عرف في نكاح (المبسوط): فكان لها النفقة والسكنى، إذا كان بعد الدخول بها، لأن منفعة الاحتباس إنما فاتت بمعنى من جهة الزوج فيكون محسوبًا عليه، كما لو طلقها بعد الدخول بها.
قال: وإذا خرج الحربي وامرأتهُ إلينا بأمان فطلبت النفقة فالقاضي لا يفرض لها ذلك. هكذا ذكرهُ الخصاف في (نفقاته): وعلل فقال: لأن هذا من أحكامنا إلا أن يصيرا ذميين فحينئذٍ القاضي يفرض لها النفقة لأنهم رضوا بأحكامنا.
قال: وإذا خرج أحد الزوجين مسلمًا ثم خرج الآخر بعدهُ فلا نفقة لها عليه، لأن الزوج إن كان هو الخارج أولًا فلا عدة عليها بالاتفاق. وإن كانت المرأة هي الخارجة فكذلك عند أبي حنيفة رحمه الله لا عدة عليها.
وعندهما وإن كانت عليها العدة إلا أن وجوب نفقة العدة باعتبار ملك الحبس الثابث للزوج عليها في حاله العدة. وبيان الوالدين كما ينقطع عصمة النكاح يقطع ملك... الحبس الثابث بالنكاح أيضًا.
قال في (السير الكبير): لو فرض القاضي نفقة الزوجة والوالدين والوالد في مال مسلم أسير في دار الحرب ثم قامت بينة على ردة الأسير قبل فرض القاضي نفقة المرأة ضمنت ما أخذت من النفقة؛ لأنه يتبين أنها أخذت بغير حق فإن قالت: حاسبوني من نفقة عدتي يقول لها الحاكم: لا نفقة لك؛ لأن ردة الزوج حصلت في دار الحرب فكانت بمنزلة الموت. ولو مات الزوج لا نفقة لها كذا هاهنا.
ولو قبضت نفقة شهر ثم قامت بينة على ردة الزوج بعد مضي عشرة أيام من الشهر كان كل ذلك للمرأة في قياس قول أبي يوسف رحمه الله، وفي قياس قول محمد رحمه الله: لها مقدار ما وجب لها قبل الردة، وهذا بناء على ما لو أعطى الزوج امرأة نفقة شهر ثم مات أحدهما قبل مضي المدة لم يرجع عليها ولا في تركتها في قول أبي يوسف، وفي قول محمد رحمهما الله: يرجع عليها بحساب ما مضى ويجب رد الباقي.
ووجه البناء: وهو أن الردة حصلت في دار الحرب وكان بمنزلة الموت.

.الفصل الخامس في نفقات المماليك:

هذا الفصل يشتمل على أنواع:

.النوع الأول في بيان استحقاق نفقة المماليك:

قال في (الكتاب): ظاهر مذهب أصحابنا رحمهم الله: أن الإنسان لا يجبر على إنفاق ملكه سوى الرقيق كالدابة والدرع والخيل، وأما في سائر الحيوانات يفتى فيما بينهُ وبين الله تعالى بالاتفاق، وروي عن أبي يوسف رحمه الله أنهُ يجبر على الإنفاق على البهائم أيضًا هو قول الشافعي رحمه الله، وأما في غير الحيوانات كالدور والعقار فلا يجبر على النفقة، ولا يفتى بهُ أيضًا، إلا أنهُ إذا كانت فيه تضييع المال يكون مكروهًا. وأبو يوسف والشافعي رحمهما الله احتجا، وقالا بأن في عدم الجبر بالإنفاق على البهائم تعذيب الحيوانات بلا فائدة، وذلك منهيٌ وقاساه على الرقيق وإنما يفرق بينهما.
ووجه الفرق: أن إجْبار القاضي المولى على الإنفاق على مملوكة نوع قضاء، والقضاء لابد له من مقضي لهُ هو من أهل الاستحقاق، وهذا يوجد في الرقيق؛ لأن الرقيق من أهل أن يستحق حقوقًا على المولى، وعلى غيره في الجملة ألا ترى أن بالكتابة يستحق حقوقًا على المولى، وإن مملوكًا فأما غير الرقيق لا يستحق حقوقًا على المولى فلا يصلح مقضيًا له، فانعدم شرط القضاء فينعدم القضاء.
ثم الأصل في نفقة الرقيق: أن من كان مملوك المنافع والمكاسب يجبر المولى على نفقته، ومن كان غير مملوكة المنافع لا يجبر المولى على إنفاقه.
إذا ثبت هذا فنقول: رجل له عبد أو أمة أو مدبرة أو أم ولد يجبر المولى على نفقتهم، فإن أبى المولى الإنفاق فكل من يصلح للإجارة يؤاجر وينفق عليه من أجرته، وكل من لا يصلح لذلك لعذر الصغر أو ما أشبهه ففي العبد والأمة يؤمر المولى لينفق عليهما أو يبيعهما. وفي المدَّبر وأم الولد يجبر المولى على الإنفاق لا غير، لأنهُ لا يمكن بيعهما، وأما المكاتب فالمولى لا يجبر على نفقتهِ لأنهُ غير مملوك المنافع والمكاسب.
ثم فرق بين نفقة الرقيق وبين نفقة الزوجة من وجهين:
أحدهما: أن الرقيق وإن كان صغيرًا تجب النفقة على المولى، والزوجة إذا كانت صغيرة لا تُشتهى لا تحب النفقة على (الزوج).
والثاني: أن المولى إذا أبى الإنفاق على الرقيق يجبر (على) البيع، والزوج إذا عجز عن الإنفاق على المرأة لا يفرق بينهما.
أما الفرق الأول: فقد ذكرناه في أول نفقات الزوجات. وأما الفرق الثاني: وهو أن المولى إذا أجْبِرَ على البيع دفعًا للظلم عن المملوك يزول ملكه إلى خلف وهو الثمن، ولو لم يجبر يفوت حق المملوك في النفقة لا إلى خلف لأن نفقة المملوك لا يصير دينًا على المولى بحال من الأحوال، فكان الجبْر على البيع أقل ضررًا.
أما في باب النكاح: لو أمر الزوج بالتفريق دفعًا للظلم عن المرأة ثفوت ملك الزوج بغير خلف ولو لم يجبر يفوت حق المرأة في الحال إلى خلف فإن نفقة الزوجة تصير دينًا بقضاء القاضي، فكان ما يلحق الزوج من الضرر أكثر، فكان أولى بالدفع.
قال: أمةٌ أو عبد في يدي رجلين تنازعا فيه وكل واحد منهما يدعي أنه له فإنهما يجبران على النفقة عليه لأنهُ لما كان في أيديهما، فالظاهر أنهُ ملكهما، ولو كان مكان العبد والأمة دابة لا يجبران؛ لأنها لو كانت ملكهما لا يجبران فكذا إذا كان في أيديهما.
قال: ولا تحب نفقة المعتق على المعتق وإن كان المعتق عاجزًا عن الاكتساب لصغرٍ أو زَمَانَةٍ أو ما أشبههُ، ولكن عليه من بيت المال؛ لأنهُ مسلم ليس له قرابة غنى ومال بيت المال معد ذلك.
قال: ولو أنّ رجلًا في يديه صغير قال لآخر: هذا عبدك أودعتني وجحد الآخر يستحلف بالله ما أودعهُ. وإذا حلف قُضي بالنفقة على صاحب اليد؛ لأن الغلام إذا كان صغيرًا لا يكون في يد نفسه، فكان القول في رِقّهِ وحرّيتهِ قول من هو في يدهِ وقد اعترف ذو اليد برقهِ، فصح اعترافهُ. ثم أَقرَّ أن ذلك الرق لغيرهِ فبقي على حكم ملكه ما لم يصدقهُ ذلك الغير، ولو كان الغلام كبيرًا لم يستحلف المدعى عليه؛ لأن الكبير في يد نفسهِ، فكان القول في الرق والحرية قوله فيكون الإنفاق واجبًا على من يدعي الغلام أنهُ عبده إذا أثبت هذا دون من يعدله ذو اليد ذلك الأصل لما بعد هذا: أنّ النفقة إنما تجب على من تحصل لهُ المنفعة فكل من حصّل المنفعة كانت النفقة عليه سواء كان هو مالك رقبة أو لم يكن.
إذا أثبت هذا فنقول: إذا أوصى أَمَتَهُ لرجل وبما في بطنها لآخر، فإن نفقة الجارية على الموصى له برقبتها؛ لأن منفعتها تحصل له ولو أوصى بداره لرجل وسكناها لآخر وهو يخرج من الثلث فالنفقة على صاحب السكنى لأن النفقة تحصل له.

.فرع على مسألة السكنى:

فقال: لو انهدمت الدار كلها قبل أن يقبضها، فقال صاحب السكنى: أنا أبنيها وأسكنها كان له ذلك ولا يصير متطوعًا؛ لأنهُ لا يصل إلى حقه إلا بهذا، وهو مضطر فيه، فصار كصاحب العلو مع صاحب السفل إذا..... صاحب السفل، فامتنع صاحب السفل عن بنائه فبناه صاحب العلو لا يصير متطوعًا ويرجع على صاحب السفل لكن بماذا يرجع؟ فيه كلام يأتي بعد هذا إن شاء اللَّهُ تعالى، كذا هاهنا لا يصير متطوعًا. فإن انقسمت السكنى ينظر، إن اجتمعا على أن يكون البناء لصاحب الرقبة ويعطيه قيمتها يجوز؛ لأن البناء ملك صاحب السكنى فإذا باعهُ من صاحب الرقبة يجوز، وإن لم يجتمعا كان لهُ أن ينقض بناءه، كما في المشتري إذا بنى ثم جاء الشفيع كان الجواب على هذا الترتيب يثبت كذا هاهنا.
قال: ولو أوصى الرجل بنخل ولآخر بثمرته أبدًا فإن الوصية جائزة فتكون النفقة على صاحب الثمرة؛ لأن المنفعة تحصل له.
ومن هذا الجنس:
إذا أوصى الرجل بتبن هذهِ الحنطة، وأوصى للآخر بالحنطة فإن بقي من الثلث شيء فالتخليص يكون في ذلك المال وإن لم يبق فالتخليص عليهما؛ لأن المنفعة تحصل لهما.
فرق بين هذا وبينما إذا أوصى لرجل بدهن هذا السمسم وأوصى لآخر بكسبه فإن أجر التخليص على صاحب الدهن.
والفرق: وهو أن الدهن هاهنا خفي وقعت الحاجة إلى إظهاره فأما الكسب فظاهر فكان التخليص عملًا لصاحب الدهن، فيكون أجره عليه. فأما الحنطة فحاصلة غير أنها مستورة، فكان التخليص عملًا لهما فكان الأجر عليهما. وكذلك الزيت والزيتون على هذا القياس.
قال محمد رحمه الله: لو أن رجلًا ذبح شاة ثم أوصى لرجل بلحمها وللآخر بجلدها فالتخليص عليهما إذا لم يبق من الثلث شيء كما في الحنطة والتبن، فإن كانت الشاة حيّة وباقي المسألة بحالها فأجر الذبح على صاحب اللحم؛ لأن اللحم لا يحصل إلا بالذبح، فأما الجلد حاصل من غير ذبح؛ لأنها وإن كانت ميتة يحصل الجلد ثم أجر السلخ عليهما؛ لأن منفعة السلخ يحصل لهما.

.النوع الثاني في إيجاب النفقة في الملك الموقوف:

قال: ولو شهد شاهدان على رجل في يديه أمة أن هذهِ الأمة حرة قبل القاضي هذه الشهادة ادعت الأمة ذلك أو جحدت ويضع القاضي الأمة على يدي عدل، ما دام في مسألة الشهود هكذا ذكر الخصاف في (أدب القاضي): وذكر محمد رحمه الله في (الجامع): أن القاضي يضعها على يدي امرأة ثقة ويستوي فيه أن يكون المولى عدلًا كما في طلاق المرأة على مامر قبل هذا، فإن طلبت النفقة بعدما وضعها القاضي على يدي عدل، فرض لها القاضي النفقة على الذي كانت في يديهِ وهو المولى الظاهر، لأن نفقتها كانت واجبة عليه قبل قيام البينة، فإن كانت البينة صدقة يسقط نفقتها عنه؛ وإن كانت كذبة لا يسقط. وإن صارت ممنوعة عن المولى؛ لأن نفقة المملوك لا يسقط عن المولى؛ وإن كان ممنوعًا عن المولى على ما يأتي بعدما أوقع الشك في سقوط النفقة فلا يسقط بالشك. وقول محمد رحمه الله: في (الكتاب): إن القاضي. يفرض لها النفقة، ليس المراد منه الفرض حقيقة، لأن مولاها ظاهر ونفقة المملوك لا يصير دينًا على المولى فيما مضى. وإن أفصل بها القضاء أداء المملوك لا يستوجب على مولاه دينًا ولكن المراد منه أن القاضي يقدر لها نفقة ويجبره على أدائها فالفرض هو التقدير. قال الله تعالى: {فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} [البقرة: 237] أي: قدرتم.
فإن أخذت نفقتها شهرًا، ثم لم يذكر الشهود ورُدَّتْ الأمة على مولاها لا يرجع المولى عليها بما أنفق.
وفي المنكوحة إذا كانت مدخولًا بها وفرض القاضي لها النفقة، ولم تزك الشهود، وُرُدَّتْ المرأة على الزوج. فالزوج يرجع عليهما بما أنفق وفي المسألتين جميعًا تَبَّينَ أن كل واحد منهما منكوحة ومملوكة منعتا عن الزوج والمولى لا لمعنى من جهة الزوج والمولى إلا أن المنكوحة إذا امتنعت من الزوج لا لمعنى من جهة الزوج تسقط نفقتها عن الزوج لما مرَّ قبل هذا. والمملوكة إذا امتنعت عن المولى لا لمعنى من جهة المولى لا تبطل نفقتها؛ لأن نفقة المملوك بعلة الملك؛ والملك باقٍ في هذه الحالة.
وإن زكت المشهود فإن أنفق المولى عليها على وجه التبرع أو أكلت في بيت المولى بإذن المولى فلا رجوع له عليها كما في سائر التبرعات. وإن أجبر القاضي المولى على ذلك أو أكلت في بيت المال بغير إذن المولى، رجع عليها بخلاف الطلاق.
والفرق وهو: أن الاستحقاق هاهنا بحكم الملك وتبين أنه لا ملك في ذلك الوقت. إذ القاضي إنما يقضي بحريتها من الوقت الذي شهد به الشهود. فتبين أنهما أخذت بغير حق وثمة الاستحقاق باعتبار كونها محبوسة بحق الزوج، وتبين أنها محبوسة بحق الزوج في العدة.
ويستوي في جميع ما ذكرنا إن شهد الشهود بحريتها من (الأصل): أو بحريتها بإعتاق وجد من المولى، إذ المعنى لا يوجب الفصل.
قال: أمة في يدي رجل ادعى رجل أنها لهُ. وأقام شاهدين فالقاضي يضعها في يدي عدل ما دام في مسألة الشهود لما قلنا: طلبت النفقة وفرض لها القاضي النفقة، ثم لم تزك الشهود وردت الجارية على المولى فالمولى لا يرجع بما أنفق على أحد لما قلنا، و(لو) زكيت الشهود وقضى القاضي بالجارية للمدعي، لم يكن للشهود عليه أن يرجع على المدعي؛ لأنه أنفق على جارية الغير بغير إذن ذلك الغير وهل يرجع بذلك على الجارية؟ على قول أبي حنيفة رحمه الله: لا يرجع وعلى قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله: يرجع ويكون ذلك دينًا في ذمة الجارية تباع فيه إلا أن يقرّبه المقضي له؛ لأن القاضي لما قضى بالجارية للمدعي ظهر أن المدعى عليه كان عاصيًا في حال ما أنفق عليها؛ لأنها في يد العدل ويد العدل يد المدعى عليه.
ولهذا لو هلكت في يد العدل ضمن المدعى عليه قيمتها فتبين أن الجارية استهلكت شيئًا من مال الغاصب ومن أصل أبي حنيفة رحمه الله أن جناية المغصُوب على مال الغاصب هَدَرٌ كجناية المملوك على مال المالك، وعندهما معتبر كالجناية على مال الأجنبي وهي من مسائل (الزيادات)، ثم عندهما إذا بيعت أو فداها المقضي له يرجع على المقضي عليه بالأقل من قيمتها ومن الفداء.
وكذلك لو رافعتهُ وهي في يده ففرض لها النفقة وأكلت شيئًا من ماله بغير إذنه؛ ثم استحقت فهذا والأول سواء يعني لم يصير دينًا في رقبتها عند أبي حنيفة رحمه الله خلافًا لهما.
قال: وإن كان مكان الجارية عبد وباقي المسألة بحالها؛ لا يوضع العبد على يدي العدل إلا إذا كان المدعى عليه لا يحل كفيلًا بنفسهِ وكفيلًا بالعبد وكان المدعي لا يقدر على ملازمته. وكان المدعى عليه مخوفًا على ما في يدهِ بالإتلاف فحينذٍ يضعهُ القاضي على يدي عدل بخلاف الأمة، والفرق عرف في موضعه.
وكذا إذا كان المدعى عليه فاسقًا معروفًا بالفجور مع الغلمان، فالقاضي يضعه على يدي العدل وهذا لا يختص بالدعوى والبينة بل في كل موضع كان صاحب الغلام معروفًا بالفجور مع الغلمان فالقاضي يخرج الغلام عن يده ويضعهُ على يدي عدل بطريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وإذا وضع القاضي العبد على يدي العدل أمره أن يكتسب وينفق على نفسهِ إذا كان قادرًا على الكسب كما قبل الوضع على يدي العدل؛ بخلاف الأمة لأنها عاجزة عن الكسب عادة، حتى لو كانت الأمة قادرة على الكسب معروفة بذلك بأن كانت خبازة وأو غسالة تؤمر بالكسب أيضًا. هكذا قال الفقيه أبو بكر البلخي والفقيه أبو إسحاق الحافظ رحمهما الله. وإن كان العبد عاجزًا عن الكسب لمرضه أو صغره يؤمر المدعى عليه بالنفقة لأنهُ الآن بمنزلة الأمة.
قال: وإن كان مكان العبد دابة والمدعى عليه لا يجد كفيلًا؛ وهو مخوف على ما في يده، والمدعي لا يقدر على ملازمته، فالقاضي يقول للمدعي أنا لا أجبر المدعى عليه على الإنفاق لكن إن شئت أن أضعها على يدي عدل فأنفق عليها. ولا يضع على يدي عدل بخلاف العبد والأمة؛ وهذا لأن المقصود من الوضع على يدي العدل صيانة حق المدعي. وهو القضاء له بالمدعى به متى زكت الشهود وهذا المقصود يفوت في الدابة متى أبى المدعي الإنفاق لأن المدعى عليه لا يُجبَرُ على إنفاقهِ وإن كان هو المالك ظاهرًا على ما عليه ظاهر الرواية عن أصحابنا رحمهم الله ولو لم ينفق المدعي على الداية تتلف الدابة ولا يحصل ما هو المقصود للمدعي من وضع الدابة على يدي العدل بخلاف العبد والأمة لأن المدعى عليه يجبر على إنفاقهما وإن وضعا على العدل فلا ضرورة إلى أمر المدعي بالإنفاق.

.النوع الثالث في الإنفاق على الغير:

المشتري قال: دابةٌ بين رجلين امتنع أحدهما عن الإنفاق عليها؛ وطلب الآخر من القاضي أن يأمره بالنفقة حتى تأخر لا يصير متطوعًا. فالقاضي يقول للآبي: إما أن تبيع نصيبك أو تنفق عليه هكذا ذكر الخصاف في (نفقاته): وقد فرق بين هذا وبينما إذا كانت الدابة كلها له: فإن هناك إذا امتنع عن الإنفاق عليها لا يجبر على ذلك وذكر شمس الأئمة السرخسي رحمه الله في (شرح كتاب المزارعة): أن هاهنا لا يجبر الآبي على الإنفاق أيضًا.
والفرق على رواية الخصاف: أن الدابة كلها إذا كانت لرجل فليس في ترك الإنفاق إتلاف ملك الغير بل فيه إتلاف ملك نفسهِ. فلو وجب الإنفاق لوجب بملك نفسهِ وملك دابتهِ وإنها ليست من أهل الاستحقاق.
أما هاهنا في ترك الإنفاق إتلافُ ملك الغير وهو ملكُ صاحبه وصاحبه من أهل الاستحقاق فجاز الجبر للغير وهو ملك.
قال: بهو مشترك بين قوم وهو شربٌ لهم ولأراضيهم احتاج هذا النهر إلى الكَرِيّ فأبى بعض أهل النهر الكراء. والكلام هاهنا في مواضع.
أحدها: في النهر الأعظم فنقول: النهر الأعظم إذا احتاج إلى الكرايّ فالسلطان يكريه من مال بيت المال. وكذلك إذا احتيج إلى إصلاح مسنناته ويصرف في هذا الكراء قال: الخراج والجري وما يجري مجراهما ولا يصرف فيه الصدقات والعشر وإن لم يكن في بيت المال شيء فالإمام يجبر الناس على الكراء إلا أنهُ يخرج لكراء من كان يطيق الكراء منهم. ثم يجعل مؤنتهم على الأغنياء بالمياسير الذين لا يطيقون الكراء بأنفسهم.
فأما النهر الذي دخل تحت القسمة إلا أن الشركة فيها عامة كالكلم وما أشبههُ. فكذا هذا النهر على أهلها، وأن ابن بعضهم الكراء يجبر الآبي على الكرا.
وأما النهر الخاص بين قوم من كل وجه فكريه على أهل النهر وإن أبى بعضهم الكراء هل يجبر الآبي على الكراء؟ اختلف فيه المشايخ رحمهم الله. بعضهم قالوا: يجبر وإليه مال شمس الأئمة السرخسي رحمه الله وقال بعضهم: لا يجبر وبه أخذ الفقيه أبو جعفر رحمه الله بل يرفع الأمر إلى الإمام حتى إن الإمام يأمر الباقين بكراء نصيب الآبي على أن يستوفى مؤنة الكراء من نصيبه من الشرب بأن يستوفى نصيب الآبي من الشرب مقدار ما يبلغ قيمة ما انفق، وباقي نصيبه للكراء هكذا ذكر شيخ الإسلام خواهر زاده رحمه الله هذه المسألة في (كتاب الشرب) وبه تبين أن ما ذكر الخصاف في (نفقاته): أن النهر الخاص بين قوم يجبر الممتنع على الكراء فذلك قول بعض المشايخ.
ثم على قول بعض المشايخ: الذين يرون الكراء إذا لم يدفعوا إلى القاضي يرجعون على الآبي تسقط من النفقة. وهل يُمنعُ الآبي من الشرب حتى يؤدي ما عليه من النفقة؟
ذكر رحمه الله في (شرح نفقات الخصاف): أن فيه اختلاف المشايخ رحمهم الله، وذكر في (عيون المسائل) أن على قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله: يمنع ولم يأخذ بهذا شمس الأئمة الحلواني رحمه الله، وأما إذا خيفَ أن ينشف النهرُ الخاصُ وأرادوا أن يحصوه فامتنع بعضهم فإن كان في هذا ضررٌ عام، بأن كان الماءُ يخرج إلى طريق المسلمين وإلى أراضيهم لو لم يصلحوا يُجبر الآبي على ذلك، وإن لم يكن فيه ضرر عام لا يجبر على الإنفاق، وأما إذا اتفق أهل النهر الخاص على ترك الكراء في هذا النهر لا يجبر. يضمن الإمام على ذلك في ظاهر المذهب.
وقال بعض المتأخرين من مشايخنا رحمهم الله: يجبرهم الإمام على ذلك لحقِ أصحاب الشفعة في النهر هكذا ذكر شيخ الإسلام خواهر زاده رحمه الله في (شرح كتاب الشرب) وبه تبين أن ما ذكر الخصاف في (نفقاته) أن صاحب النهر الخاص وصاحب البئر يجر على كراء النهر وعلى إصلاح البئر لحق أصحاب الشفعة قول بعض المتأخرين من المشايخ، وليس بجواب ظاهر الرواية.

.فرع على هذه المسائل في كتاب الشرب:

فقال: إذا أنفق أهل النهر الخاص على الكراء. قال: أبو حنيفة رحمه الله: عليهم مؤنة الكراء من أعلى النهر: فإذا جاوزوا أرض رجل يرفع عنه مؤنة الكراء. وقال: أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: الكراء عليهم جميعًا من أول النهر إلى أخره يخصص للشرب والأرضين. فأما إذا جاوزوا فوهة أحدث رجل هل يرفع مؤنة الكراء عند أبي حنيفة رحمه الله؟ والصحيح: أنه لا يرفع ما لم يجاوزوا أرضه وعلى هذا الاختلاف إذا احتاجوا إلى إصلاح حافني هذا النهر.
وأما إذا كان النهر عظيمًا عليه قرى يشربون فيها، وهي التي تدعي بالفارسية (كام) فأنفقوا على كراء هذا النهر فبلغوا فوهة نهر قرية هل يرفع عنهم مؤنة الكراء لا رواية لهذه المسألة في (المبسوط).
قال خواهر زاده رحمه الله: ذكر هذه المسألة في (النوادر) أنه يرفع بالاتفاق وعلى قياس المسألة الأولى ينبغي أن يشترط لدفع مؤنة الكراء مجاورة إذا وصل هذه القرية.
قال: زرع بين رجلين أبى أحدهما أن ينفق عليه لا يجبر على ذلك لما قلنا، لكن يقال للآخر أنفق أنت وارجع بنصف القيمة في حصة شريكك؛ وكذلك الحمام إذا كان بين رجلين..... القدر أو أحرض أو شيء من الحمام فأبى أحدهما بالإنفاق لا يجبر عليه.
ولكن يؤمر الآخر بالإنفاق ثم يرجع بحصة صاحبه في الغلة أما إذا ولاية انهدم الحمام كلهُ فأراد أحدهما أن يبني وأبى الآخر يقسم أرض الحمام، لأنه إن كان لا يمنكهُ أن يبني الحمام فيه: يمكنهُ أن يبني شيئًا آخر.
قال: البئر إذا كان بين رجلين وهو شرب مواشيهم فامتنع أحدهما عن إصلاحه وقال: أنا لا أسقي ماشيتي منها لا يجبر على ذلك لما قلنا، وإذا أصلح الآخر لا يكون له أن يرجع على الآبي، ولم يذكر الرجوع هاهنا على الآبي وذكر الرجوع في المسائل المتقدمة فيحتمل أن الذي أصلح البئر أصلح بغير أمر القاضي في تلك المسائل إذا كان الإنفاق بغير أمر القاضي، لا يكون للمنفق ولاية الرجوع أيضًا على الآبي، ويحتمل أن يكون أصلح بأمر القاضي.
فعلى هذا يحتاج إلى الفرق بين هذه المسألة وبين المسائل المتقدمة.
والفرق: وهو أن النفقة هاهنا إنما تجب بأداء المنفعة. فإذا امتنع من الانتفاع لم يكن عليه شيء أما فيما تقدم إن تعذر الإيجاب بأداء المنفعة أمكن الإيجاب بأداء ملك الرقبة لهم.
قال: دار وحانوت بين رجلين لا يمكن قسمتهما تشاجرا فيه فقال أحدهما: لا أكري ولا أنتفع وقال الآخر: أريد أن أنتفع فإن القاضي يأمره بالمهايأة ثم يقال للذي يريد الانتفاع به في مدتهِ إن شئت فانتفع بها وإن شئت فأغلق الباب، لأن في امتناعهُ من المهايأة إلحاق الضرر بصاحبهِ.
وقال العبد: إذا كان مشتركًا بين رجلين غاب أحدهما فأنفق الآخر بغير أمر القاضي وبغير أمر صاحبه، فهو متطوع في النفقة.
وكذا الذرع إذا كان مشتركًا بين رجلين أو النخل إذا كان مشتركًا بين رجلين غاب أحدهما فأنفق الآخر بغير أمر القاضي وبغير أمر صاحبه فهو متطوع في النفقة، لأنه أنفق على ملكه وملك الغير بغير أمره وبغير أمر من يلي عليه وهو غير مضطر في ذلك. يمكنهُ الإنفاق بأمر القاضي حتى يرجع بما أنفق في حصتهِ، ويحيي ملك نفسهِ. فكان بمزلة المودع إذا أنفق على الوديعة، أو الملتقط على اللقطة بغير أمر القاضي وكان كالأجنبي إذا قضى دين غيره بغير أمر من عليه الدين وهناك كان متبرعًا كذا هاهنا،.
وكذلك الدار المشتركة إذا اشتريت فأنفق أحدهما في مؤنتها بغير أمر القاضي وبغير أمر صاحبه فهو متطوع.
وهذا بخلاف ما لو أوصى برقبة نخلة لإنسان وبثمرتهِ لآخر ثم غاب صاحب الثمرة فأنفق صاحب الرقبة على النخيل بغير أمر القاضي لم يكن متبرعًا حتى كان له أن يستوفي مال أنفق من الغلة. وموضع الفرق بان العذر في المزارعة.
في (شرح خواهر زاده) رحمه الله فرع على هذه المسألة فقال: إن لم يخرج النخيل من الغلة فيما يستقبل مثل ما أنفق لا يكون لصاحب النخيل أن يرجع بما بقي من نفقته على صاحب الغلة ولكن يبيع الخارج في السنة الأخرى حتى يستوفي تمام نفقته. فرق بين هذا وبين الزرع المشترك بين رجلين، إذا أنفق أحدهما بأمر القاضي حتى كان للمنفق ولايةُ اتباع الخارج دون المزارع إذا استوفى حصة المزارع من الخارج وبقي من نفقتهِ شيء لا يكون له أن يتبع الخارج في السنة الأخرى بما بقي من النفقة.
وإن كان الإنفاق بأمرِ صاحبه في مسألة الزرع أو بأمر صاحب الغلة في مسألة النخيل كان له أن يرجع على صاحبه وعلى صاحب الغلة بجميع ما أتفق ولا يعتبر الخارج والفرق في هذا الباب أيضًا.
ثم الأصل في النفقة على المشترك، وهو أن كل نفقة يجري الجبَر عليها إذا امتنع أحد الشريكين من الإنفاق وأنفق الآخر بأمر القاضي أو بأمر الآبي، فالمنفق يرجع بنصف النفقة على الآبي بالغًا ما بلغ سواء بقي نصيب الآبي سالمًا له أو هلك كالعبد الصغير إذا كان بين شريكين ولم يعد أحدهما على الإنفاق فأنفق الآخر بأمر القاضي أو بأمر صاحبه رجع المنفق على صاحبهِ بحصتهِ من النفقة بالغًا ما بلغ سواء بقي الصبي أو هلك وكل نفقة لا يجري الجبر عليها كما في نفقة الدابة المشتركة إذا أنفق أحدهما بأمر القاضي لم يكن للمنفق أن يرجع على شريكه فيما زاد على قيمة نصيبهِ، ولا بعد هلاك الدابة، وكل نفقة لا يجري الجبر عليها إذا أنفق أحدهما بأمر صاحبه يرجع على صاحبه بجميع حصتهِ بالغًا ما بلغ في ذلك الشيء أو هلك فعلى هذا الأصل يخرج جنس هذه المسائل من الزرع المشترك وغير ذلك.
وذكر في (كتاب المزارعة): إذا مات ربُّ الأرض في وسط المدة وقال المزارع: أنا أقلع الزرع، وأنفق ورثة رب الأرض بأمر القاضي رجع على المزارع بجميع النفقة. قدرًا بحصته ولو انقضت مدة المزارعة وأنفق ربّ الأرض بأمر القاضي فإنه يرجع بنصف القيمة مقدرًا بحصته.
ولو كانت المزارعة قائمة وعجز المزارع عن الإنفاق عليه لعسرته فأنفق صاحب الأرض على الزرع بأمر القاضي حتى بلغ الزرع، فإن صاحب الأرض يرجع على المزارع بما أنفق بالغةً ما بلغت غير مقدرة بالحصة ولهذه المسائل تفاصيل تفريعات في المزارعة الكبيرة في باب العذر في المزارعة بعضها في (شرح خواهر زاده) رحمه الله وبعضها في (شرح شمس الأئمة السرخسي) رحمه الله.
ومما يتصل بهذا الفصل:
رجل أخذ عبدًا آبقًا فطلب صاحبه. فلم يقدر عليه فجاء إلى القاضي وأخبره بالقصة وطلب من القاضي أن يأمره بالإنفاق عليه فالقاضي لا يلتفت إلى قوله.
قبل إقامة البينة وبعد ما أقام البينة، كان للقاضي الخيار إن شاء قبل وإن شاء لم يقبل كما في اللقيط واللقطة. وبعدما قبل القاضي البينة، إن كان (البيع) أصلح بأن خاف أن تأكلها النفقة أمره ببيعها، وإمساك الثمن. وتمام هذه المسائل في اللقيط واللقطة والإباق.
وكذلك الحكم، فيما إذا ادعى هذا بأن هذا الشيء وديعة وأقام البينة أو لم يقم فهو على ما قلنا، والله أعلم بالصواب. وتم الكتاب بعون الله وحسن توفيقه.